الضرورة الشعرية لحن وخطأ.. الشاعر يَعِنُّ له معنى فلا يمكنه إبرازه إلا بمثل اللفظ القبيح المعيب. الشعر إما صواب مقبول وإما خطأ مـردود



يرى ابن فارس أن ما سماه النحاة ضرورة ، وتمحلوا في تخريجه ليس إلا خطأً محضا من الأولى عدم التكلف والتعسف في تخريجه ،ويقول في لهجة عنيفة: (ولا معنى لقول من يقول: إن للشاعر عند الضرورة أن يأتي في شعره بما لا يجوز ، ولا معنى لقول من قال:
ألم يأتيك والأنباء تَنْمِي 

وهذا وإن صح وما أشبهه من قوله:
لما جفا إخوانه مصعباً
وقوله:
قفا عند مما تعرفان ربوعُ

فكله غلط وخطأ، وما جعل الله الشعراء معصومين يُوَقَوْن الخطأ والغلط، فما صح من شعرهم فمقبول، وماأبته العربية وأصولها فمردود)[1].

بل إن ابن فارس صنف رسالة سماها (ذم الخطأ في الشعر) بين فيها موقفه مما سماه النحاة ضرورة شعرية، وقال: (إن ناسا من قدماء الشعراء ومن بعدهم أصابوا في أكثر ما نظموه من شعرهم، وأخطأوا في اليسير من ذلك، فجعل ناس من أهل العربية يوجهون لخطأ الشعراء وجوها، ويتمحلون لذلك تأويلات، حتى صنعوا فيما ذكرناه أبوابا، وصنفوا في ضرورات الشعر كتبا)[2].

ثم قال: (ما الوجه في إجازة ما لا يجوز إذا قاله شاعر؟ وما الفرق بين الشاعر والخطيب والكاتب؟ ولم لا يجوز لواحد منا أن يقول لآخلا : لست أقصدك و لاك اقصدني أنت، وأن يقول لمن يخاطبه: فعلت هذا كما فعلت أنت كذا؟)[3].

ويقول ردا على من قال: إن الشعراء أمراء الكلام: (ولم لا يكون الخطباء أمراء الكلام؟ وهبنا جعلنا الشعراء أمراء الكلام، لم أجزنا لهؤلاء الأمراء أن يخطئوا، ويقولوا ما لم يقله غيرهم؟ فإن قالوا: إن الشاعر يضطر إلى ذلك لأنه يريد إقامة وزن شعره، ولو أنه لم يفعل ذلك لم يستقم شعره، قيل لهم: ومن اضطره أن يقول شعرا لا يستقيم إلا بإعمال خطأ؟ ونحن لم نر ولم نسمع بشاعر اضطره سلطان أو ذو سطوة بسوط أو سيف إلى أن يقول في شعره ما لا يجوز وما لا تجيزونه أنتم في كلام غيره، فإن قالوا: إن الشاعر يَعِنُّ له معنى فلا يمكنه إبرازه إلا بمثل اللفظ القبيح المعيب، قيل لهم: هذا اعتذار أقبح وأعيب، وما الذي يمنع الشاعر إذا بنى خمسين بيتا على الصواب أن يتجنب ذلك البيت المعيب، ولا يكون في تجنبه ذلك ما يوقع ذنبا أو يُزري يمروءة ؟ ))[4].

ثم قال بعد ذلك كله: (وكل الذي ذكره النحويون في إجازة ذلك و الاحتجاج له جنس من التكلف، ولو صلح ذلك لصلح النصب موضع الخفض والمد موضع القصر، كما جاز عندهم القصر في المدود، فإن قالوا: لا يجوز مد المقصور لأنه زيادة في البناء، قيل لا يجوز قصر الممدود لأنه نقص في البناء و لافرق).[5]

فابن فارس إذاً يحمل حملة شعواء على الذين يوجهون أغلاط الشعراء ويلتمسون لهم المخارج، ويهدم باب الضرورة من أساسه، ويجعل الشعر إما صوابا مقبولا وإما خطأ مـردودا، و لا شيء غير ذلك، والشعراء عنده يخطئون كما يخطئ الناس و يغلطون كما يغلط الناس[6]‎.

ومذهب ابن فارس هذا وإن وضع حداً لبعض التأويلات المتكلَّفة، والمخارج المتمحَّلة، إلا أنه يهدم فرعا من علوم العربية تتابع النحاة - بما يشبه الإجماع - على اعتباره والاعتداد به والتصنيف فيه، كما أنه يوقعنا في مأزق شديد حين يضطرنا إلى تخطئة العربي الأصيل في ظروفه الزمانية والمكانية المتكاملة التي ترشحه للاعتداد بلغته.

والعجيب في الأمر أن ابن فارس نفسه الذي حمل هذه الحملة الشعواء على من جعل الشعراء أمراء الكلام يقول: (والشعراء  أمراء الكلام، يقصرون الممدود، ولا يمدون المقصور، ويقدمون ويؤخرون ويشيرون، ويختلسون، ويعيرون ويستعيرون...)[7]!!.

صحيح أنه قال بعد ذلك: (بعد ألا يكون فيما يأتيه مخطئا أو لاحنا)[8]، إلا أن هذا لا ينفي الاضطراب عن رأي ابن فارس، فـإن محل النزاع هو هل يجوز للشاعر في شعره ما لا يجوز لغيره أم لا؟ وقد رأينا كيف أن ابن فارس أنكر هذا الأمر مطلقا ثم جوزه بقدْر بعد ذلك.

وعلى الجملة فإن هذا الرأي لا يَنْتَهِضُ للحِجَاج، لأنه يفضي إلى رد كمٍ كبير من الأبيات التي رُوِيَتْ عن فصحاء العرب، وتمالأ النحاة على قبولها وتخريجها، إضافة إلى ماسبق إبداؤه من ملاحظات حول هذا الرأي.

إلا أنه من الإنصاف أن أشير هنا إلى ما أشار إليه أستاذي د. عبد الحكيم راضي من (أن موقف ابن فارس لاينبغي الاقتصار في تقييمه[9] على تصريحاته المباشرة بشأنها، وإنما يجب النظر إليه في ضوء حديثه عما سماه بـ ( سُنن العرب في كلامها) وقد ضمنها كل أساليب العربية في التوسع والمجاز والتسمح، ومنها غير قليل مما دخل - في تصنيف الكثيرين - في عداد الضرورات.

ومن هنا كنا نرى أن ابن فارس فتح أمام الشعراء من الوجهة العملية أبوابا واسعة من هذا السنن، وذلك قبل أن يغلق عليهم - من زاوية نظرية فحسب - ثقبا صغيرا يمثله هذا التصريح برد اللحن وما لا يجوز... كما أن كلام ابن فارس لايعدو مسلك كثـير من اللغويين والنقاد في الإعلان النظري بالقبول أو الرفض ثم مخالفة ذلك عند التطبيـق)[10].

بقي أن نشير إلى أن ابن فارس لم يكن متفردا في هذه الحملة على الضرورة، بل جاراه في ذلك نفر من العلماء منهم: أبوهلال العسكري[11] وعلي بن عبد العزيز الجرجاني[12]، إلا أن الفرق بينه وبينهم أنه أنكر الضرورة مطلقا، وهؤلاء اعترفوا بها ولكنهم عدوها خطأ وعيبا ، ولا ريب أن المحصلة واحدة.

[1] الصاحبي 468 ـ 469.
[2] ذم الخطأ في الشعر 17،18.
[3] ذم الخطأ في الشعر 21.
[4] ذم الخطأ في الشعر 21.
[5] ذم الخطأ في الشعر 23/24.
[6] انظر ذم الخطأ في الشعر 23.
[7] الصاحبي 468.
[8] الصاحبي 469.
[9] يظهر لي أن الصواب في هذه الكلمة هو (تقويمه) بالواو، لأن جذر المادة هو (ق و م)، وتقويم الشيء بيان قيمته، وأصل القيمة (قِوْمَة) لأنها تقوم مقام الشيء المُقَوَم.
[10] نظرية اللغة في النقد العربي 52، بتصرف يسير.
[11] الضرائر اللغوية 50.
[12] الضرائر اللغوية 51.