الضرورة حق للشعراء في شعرهم ونثرهم.. الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده



يرى الأخفش أن الشعراء طبقة متميزة من الناس، ومن ثم جاز لهم مالم يجز لغيرهم، وليس هذا الجواز مختصا بالشعر وحده، بل هو يشمل الشعر والنثر معا، يقول: (إن الشاعر يجوز له في كلامه وشعره ما لا يجوز لغير الشاعر في كلامه، لأن لسان الشاعر قد اعتاد على الضرائر فيجوز له ما لا يجوز لغيره)[1].

وما أشبه هذا القول بما قاله الخليل من قبل حين صرح بأن (الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا، وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللقظ وتعقيده، ومد مقصوره وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه ، فيقربون البعيد ويبعدون القريب، ويُحْتج بهم ولا يحتج عليهم..)[2].

واستخدام الخليل للفظة (الكلام) يوحي بأن ما ذكره سائغ في الشعر والنثر على السواء.

والحق أن في هذا المذهب توسعا زائدا، فنحن إذا جوزنا للشاعر في شعره ما لم نجوزه لغيره، فليس ذاك من أجل شخصه، وإنما من أجل هذا الشعر الذي هو (موضع اضطرار، وموقف اعتذار) كما قال ابن جني، وعليه فإذا تكلم الشاعر بالنثر عاد كغيره من الناس يحاسب على ما يقول بمقاييس النثر لا بمقاييس الشعر.

[1] الضرورة الشعرية 153.
[2] نظرية اللغة 46.