اندهاش الراوي عيسى بن هشام في مقامات الهمذاني.. سبق المسرح الحديث الذي تبدو فيه عدة شخصيات في شخصية واحدة



اندهاش الراوي عيسى بن هشام في مقامات الهمذاني:

هناك أمر يلفت النظر في راوية مقامات "بديع الزمان الهمذاني"، وهو هذا الاندهاش عند "عيسى بن هشام" الذي لا يتعرّف على البطل إلا في الأسطر الأخيرة من المقامة.
وقد لا يتعرّف عليه بالكلية، كما هو في "المقامة المارستانية".

سذاجه العامة:

فالقارئ قد يخدع بحقيقة البطل في مقامتين أو ثلاث، ثم يدرك أن اللعبة نفسها ستتكرر.
ألا يحق لنا أن نقول إن القارئ متقدم على الراوي في معرفة الأحداث! نعم يصحّ ذلك من وجه.

ويبدو لي أن لـ"بديع الزمان الهمذاني" مغزى آخر في تكرار اندهاش الراوي "عيسى بن هشام"، ألا وهو سذاجه العامة في عصره، وإن كان يزخر بنوابغ الفكر الإسلامي.

إحياء الميت:

وقد تقدم أنهم صدقوا البطل في إحياء الميت عند ما (قَامَ الإِسْكَنْدَرِيُّ إِلَى الْمَيِّتِ، فَنَزَعَ ثِيَابَهُ ثُمَّ شَدَّ لَهُ الْعَمَائِمَ، وَعَلَّقَ عَلَيْهِ تَمَائِمَ، وَأَلْقَمَهُ الزَّيْتَ، وَأَخْلَى لَهُ الْبَيْتَ، وَقَالَ: دَعُوهُ، وَلاَ تَرْدَعُوهُ، وَإِنْ سَمِعْتُمْ لَهُ أَنِينًا فَلاَ تُجِيبُوهُ، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ شَاعَ الْخَبَرُ وَانْتَشَرَ، بِأَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ نُشِرَ...).

وقد صدّقوا في موطن آخر أن هناك حرزًا ينجي من الغرق، فقال بعد ما ألحّ عليه ركّاب السفينة: (لَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى يُعْطِيَنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنكُمْ دِينَارًا الآنَ وَيَعِدُنِي دِينَارًا إِذَا سَلِمَ).

ويزداد اندهاشنا من عقلية القوم عند ما نجوا من الغرق إذ أعطوه ما وعدوه، كما قال "بديع الزمان" على لسان الراوي "عيسى بن هشام": (فَلَمَّا سَلِمَتِ السَّفِينَةُ، وَأَحَلَّتْنَا الْمَدِينَةَ اقْتَضَى النَّاسَ مَا وَعَدُوهُ، وَنَقَدُوهُ...).

ألا يمثل الراوي "عيسى بن هشام" هذه الشريحة بل السواد الأعظم من مجتمع "الهمذاني"؟ ألا يكون اندهاشه واردًا في كل صورة يظهر فيها البطل "أبو الفتح الإسكندري" الذي ليس لَه سمات خاصة، ولا معايير ثابتة.

شخصيات متعددة  في شخصية واحدة:

فهو الذي أوصاه بقوله:
لاَ تَلْتَزِمْ حَالَةً وَلَكِنْ + دُرْ بِاللَّيَالِي كَمَا تَدُورُ؟
وقد نقد "زكي مبارك" "بديع الزمان الهمذاني" ومن حاكاه في وقوفه على شخصية واحدة.

فـ"عيسى بن هشام" هو الذي يحدثنا في كل مقامة، كما ينتقل معنا "أبو الفتح الإسكندري" –كما سيأتي- من قصة إلى أخرى.
ومع ذلك يحسب لـ"بديع الزمان الهمذاني" أنه سبق المسرح الحديث الذي تبدو فيه عدة شخصيات في شخصية واحدة!

ولكن قد يقال: إن "بديع الزمان الهمذاني" قد أخفق -إذا صحّ أن يسمى ذلك إخفاقًا- في شخصية "عيسى بن هشام" حيث لم يتمكّن من أن ينهض بـ"أبي الفتح الإسكندري" نحو الكمال المنشود في المجتمع.