القاسم المشترك بين المقامات المشرقية والأندلسية.. ظاهرة الرحلات والتنقل بين المدن. رسم صورة لمجتمعات مملكة الإسلام قاطبة



القاسم المشترك بين المقامات المشرقية والأندلسية:

ثمة جامع وقاسم مشترك بين المقامات المشرقية والأندلسية.
فالذي يتصفح المقامات يجد أن ظاهرة الرحلات، والتنقل بين المدن سمة غالبة فيها.

المدن والمناطق:

ففي مقامات "بديع الزمان الهمذاني" نجد أن نيفًا وعشرين مقامة من مجموع مقاماته تحمل اسم مدينة أو منطقة.
وكذا الأمر عند "الحريري" حيث استثنى إحدى عشرة مقامة فقط جعل عناوينها لا تحمل اسم بلدة.

وعلى سننهما سار "ابن الصيقل الجزري"، صاحب "المقامات الزينية" حيث عنون بعض مقاماته بـ"المقامة السنجارية"، و"اللاذقية"، و"السروجية"، و"الدمشقية"...

وكذا فعل "السيوطي" من بعدهم حيث نسب بعض مقاماته إلى أماكن مشهورة في "مصر" كمقامة في وصف "الروضة" وسماها "بلبل الروضة"، و"المقامة الجيزية"، و"المقامة المصرية".

وإذا انتقلنا إلى الأندلس فإننا نجد أن "ابن الخطيب" يأتي بعنوان عام لمقامة طويلة سماها: " معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار"؛ وذكر فيها أربعًا وثلاثين مدينة أندلسية، وتسع عشرة مدينة مغربية.

الأسفار والرحلات:

وهناك حقيقة لا تنكر، وهي حب القوم للرحلات.
وقد قدم لنا "بديع الزمان" نموذجين لطبيعة هذه الأسفار التي كانت في الغالب لطلب الرزق.

فيقول على لسان "أبي العنبس الصيمري" الذي كان ظافرًا في رحلته: (...فَخَرَجْتُ أَسِيحُ، كَأَنِّي الْمَسِيحُ، فَجُلْتُ خَرَاسَانَ، الْخَرَابَ مِنْهَا وَالْعُمْرَانَ، إِلَى كَرَمَانَ، وَسِجِسْتَانَ، وَجِيلاَنَ، إِلَى طَبَرِسْتَانَ، وَإِلَى عُمَانَ، إِلَى  السِّنْدِ وَالْهِنْدِ وَالنُّوبَةِ وَالْقِبْطِ وَالْيَمَنِ وَالْحِجَازِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ [...] حَتَّى كَسَبْتُ ثَرْوَةً مِنَ الْمَالِ ...).

تصوير مجتمعات مملكة الإسلام:

والنموذج الثاني هو الذي بلغت به الغربة "باب الأبواب"، ورضي من الغنيمة بالإياب.
ونلاحظ أن "بديع الزمان" عند ما نسب بطل مقاماته إلى "الإسكندر المقدوني" الذي تُنسب إليه ثلاث عشرة مدينة، كان لذلك دلالة على أنه يريد أن يرسم لنا صورة لمجتمعات مملكة الإسلام قاطبة.

ومن هنا يمكن القول إن المقامات المشرقية والأندلسية لم تتخذ الرقعة الإسلامية مسرحًا لها إلا لتقديم الصور الإيجابية لهذه البقعة كالعلوم العربية والإسلامية من شعر، وأدب، ونحو، وفقه إزاء صور أخرى سلبية كالتسول والكدية، وبعض الأخلاق الذميمة التي أوردها "ابن الخطيب" في "معيار الاختيار" كما سبق.