الانتماء والولاء في علاقته بمفهوم المواطنة العربية وتطوير الوعي القومي وتقويم السلوك النضالي



تسهم مناقشة قضايا الانتماء والولاء كثيراً في تطوير الوعي القومي، وفي تقويم السلوك النضالي.
وهي مناقشة تستدعي توضيح مفهومي الانتماء والولاء وبيانَ العلاقة بينهما.

ولعلّ من المهمّ ابتداء الإشارة إلى أنّ لفظة (الانتماء) ترجع إلى جذرين لغويين متماثلين لفظاً، مختلفين مبنًى: الأوّل نَمَى يَنْمِي، والثاني نَما ينمو.

والنظر في هذين الجذرين «يوقف على دلالة أصيلة في ظاهرة الانتماء، وهي التقارب والتعدّد في إطار الوحدة؛ فالانتماء وحدةٌ، تضمُّ ما لا يقلُّ عن شخصين متقاربين في الصفات المكوّنة لكلّ منهما»، لكنّها في المقابل تتسع لتشمل الجنس البشريّ كلّه؛ فعلاقات الانتماء هي أكثر «العلاقات الإنسانية أساسيّة كالانتماء إلى الأسرة، كما أنها أكثر العلاقات الإنسانية عموميّة كما هو الحال في انتماء الغريب إلى مجتمع الاغتراب إذا استقرّ فيه»، وكذلك الانتماء الديني، والقارّي، والطبقي الأممي.

ويُعدُّ (الانتماء) من أكثر المفاهيم ارتباطاً بالهوية على مختلف مستوياتها؛ فهو« يُبرزُ الهويّة الكامنة في النفوس الفردية»، والجماعية، إذا كان صريحاً معلناً، وذلك لأنّ الهوية تبقى كامنة في نفوس أصحابها حتّى يُتاحُ لها مجال الظهور بإعلان الانتماء إليها «فإذا تلاشت الهوية تلاشى الانتماء، والعكس ليس صحيحاً».

لكنّ مفهوم الانتماء لا يرتبط بالهوية دائماً؛ فالانتماء، حين تضيق دائرته، كالانتماء إلى الأسرة والنقابة والنادي الرياضي، لا يرقى إلى مستوى التعبير عن الهوية، وكذلك حين تتسع دائرته كثيراً كالانتماء إلى آسيا وإفريقيا.

إنّ المنتمين إلى مجال ما لا يتماثلون أبداً، لكن قد تتقارب أو تتباعد أنماط معيشتهم وتوجهاتهم الفكرية واهتماماتهم السياسية.

ومن الظاهر أنّ التقارب والتباعد في دائرة الانتماء يتأثران بضيقها واتساعها؛ فالمنتمون إلى الأسرة متقاربون أكثر من المنتمين إلى المدينة أو القطر مثلاً، لكن اتساع دائرة الانتماء لا يحول دون التقارب الشديد بين المنتمين إليها حين يريدون ذلك اعتماداً على وعي عواملِ التقارب وطبيعة التوجهات والأهداف، وعلى رفع مستوى الولاء لتقوية الأواصر وللدفاع عنها، كما هو حال المنتمين إلى الأحزاب، فهم يتجاوزون دوائر الانتماء الضيّقة إلى دوائر أوسع في المجالات الوطنية والقومية.

والانتماء يكون قسريّاً أو اختياريّاً؛ فالإنسان ينتمي بالولادة إلى انتماءات لا خيار له فيها، ومنها الأسرة والمكان والدين، كما قد ينتمي إلى مجال اجتماعي أو مهني أو سياسي دون إرادته، لكنّ الغالب على انتماءات ما بعد الولادة أن تكون اختيارية، ولا سيّما الانتماء السياسي، كما أن بعض الانتماءت بالولادة قابلة للتحوّل عنها، كالانتماء الديني والمذهبي.

وبناءً على ما سبق، يتنوّع انتماء الفرد على نحو قسري أو اختياري تارة، وعلى نحو مرتبط بالهوية أو غير مرتبط بها أخرى، وعلى نحو متين أو واهٍ ثالثة، وبذلك تتشابك دوائر الانتماء، وتتداخل بحيث يحتوي بعضها بعضاً على نحو كلّي أو جزئي، ويمتدّ بعضُها نحو الآخر قليلاً أو كثيراً.

غير أنّ علاقة الفرد بما ينتمي إليه يغلب عليها الطابع الشكلي، ويتضاءلُ فيها الجانب الاعتقادي الذي يصنع الولاء لما ننتمي إليه، ومن ثمّ لا تكمن الخطورة في تعدّد الانتماءات بل في تنازع الولاءات على نحو يتعارض مع الانتماء المعلن، ولا سيّما التعارضُ مع الانتماءات المعبّرة عن الهوية، وهذا ما يجعل تعدّد الولاءات سبباً للتنازع داخل مجال الانتماء الواحد، كما أن تضاد الانتماءات يكون سبباً للتنازع أيضاً.

والولاءُ في اللغة يعني المحبّةَ والصداقةَ والقرابةَ، إضافة إلى النُّصرةَ، وهي معنى توجبه المعاني اللغوية الأخرى للولاء.

والنصرة هي المعنى الأكثر أهمّية في حياة الناس حين يتعرّضون للأخطار، وعليه تأسس المعنى الاصطلاحي للولاء، لكونه عاطفة تلقائية وقناعة ذاتية يتبنّاها الفرد قلبيّاً، وينتج عنها إخلاص وحبّ شديدان، يوجّههما الفرد إلى موضوع معيّن، بحيث يضحّي الفرد لصالح موضوع ولائه، على نحو قد يمتزج فيه الولاء بالانتماء «فيتجه الفرد عند ذاك إلى الجماعة التي ينتمي إليها، حتّى إنّه يفضّل صالحها العامّ، إن تعارض مع صالحه الخاص».

لكن من المهمّ الإشارة هنا إلى أنّ الانتماء يُعنَى في الغالب «بالمستوى الشكلي أكثر من عنايته بالمضمون الجوهري التلقائي، بمعنى أنّ الفرد قد يكون عضواً في جماعة، ومحسوباً عليها، لكنّه لا يرتضي معاييرها، ولا يتوحّدُ بها، ولا يُشاركها ميولها واهتماماتها».

وما بين هاتين الحالتين: امتزاج الولاء بالانتماء، وانفصاله عنه إشكالات كثيرة، تبرزها علاقات الولاء بالانتماء في مجالي الانفصال والامتزاج.