سورية والمجتمع المدني والرغبة في إحلال بنى سياسية حضارية صاعدة مكان بنى تقليدية غير مناسبة لقيادة الدولة والمجتمع



برزت في تاريخ سورية المعاصر مؤسسات للمجتمع المدني، منذ مطلع القرن العشرين،ومنها الجمعيات السياسية والاجتماعية والصحف والمجلات، إضافة إلى الأحزاب ذات الطابع الوطني التحرري، والقومي والاشتراكي، ومن أبرزها قبل الاستقلال الحزب الشيوعي وعصبة العمل القومي، والحزب الوطني وحزب الشعب.

أمّا المعلم السياسي المدني الرئيسي في تاريخ سورية المعاصر بعد الاستقلال فهو تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي سنة 1947؛ لكونه امتلك منذ تأسيسه طابعاً قومياً في أهدافه ومنطلقاته وبنيته التنظيمية وتقدمياً في مضمون أهدافه (الوحدة والحرية والاشتراكية)، وثورياً في أسلوب التعامل مع الواقع، وجماهيرياً في بنيته وتوجهاته.

وبناء على ذلك نلحظ الطابع المدني لهذا التنظيم السياسي منذ نشأته؛ إذ هو طابع يرغب في إحلال بنى سياسية حضارية صاعدة مكان بنى تقليدية، لم تعد مناسبة لقيادة الدولة والمجتمع.

وقد عرفت سورية بُعيد الاستقلال، وفي الخمسينات تجارب برلمانية تقليدية لها طابع مدني مهمّ، ثم أعقبت ذلك تجربة الوحدة بين مصر وسورية التي منيت بانتكاسة سريعة نتيجة غياب المؤسسات المدنية التي كان عليها أن تدافع عن الوحدة، ومنها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي رضي بحلّ تنظيمه في سورية آنذاك.

ثمّ بدأت قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع في سورية منذ 8/3/1963م، وهي قيادة للقوى الاجتماعية والسياسية الصاعدة، ولا سيّما التي تطمح إلى إنجاز مشروع قومي عربي وحدوي تحرري، له مضامين ديمقراطية واشتراكية، منفتحة على تجارب الشعوب.
ولذا اهتم الحزب منذ استلامه السلطة ببناء التنظيمات المدنية لتحقيق الديمقراطية والحرية.

وقد عرف القطر العربي السوري بعد قيام الحركة التصحيحية بقيادة الرئيس حافظ الأسد 16/11/1970م، تفعيلاً خلاقاً في دائرتي المواطنة وبناء مؤسسات المجتمع المدني وتنميتها «بشكل إيجابي فعّال، يُطوّر الاندماج الاجتماعي والسياسي بين المواطنين، في القطر العربي السوري من جهة، وبين الحزب والجماهير من جهة ثانية(8)».

ومن المعالم البارزة في هذا المجال مجلس الشعب، والجبهة الوطنية التقدمية، والدستور، الذي أقرّ عام 1972م، وتميّز بطابعه القومي، والديمقراطي الشعبي، والاشتراكي، إضافة إلى طابع التعدّد السياسي (الحزب القائد والجبهة الوطنية التقدمية)، وكذلك طابع تنظيم الشعب في اتحادات ونقابات تمارس نظام الرقابة الشعبية، والفصل بين السلطات: التشريعية والتنفيذية والقضائية، والحكم الجمهوري.

إن قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي للدولة والمجتمع في سورية هي قيادة تشارك فيها أحزاب الجبهة الوطنية، وهي قيادة طليعية، توجّه سياسة الدولة وفق أسس ديمقراطية شعبية، تشارك في صنعها مؤسسات شعبية وطنية، لا حزبية (اتحاد العمال، اتحاد الفلاحين، اتحاد الكتاب العرب، الاتحاد النسائي، نقابة الأطباء، نقابة المهندسين...)، وهي مؤسسات منتخبة، وفق أسس ديمقراطية شعبية، ويرفدها كثير من الهيئات والمؤسسات والجمعيات المدنية، التي تمثل قوى اجتماعية واقتصادية مستقلّة سياسياً، وتطوعية في أعمال الشأن العام.

وقيادة الحزب للدولة والمجتمع في سورية لا تضع أياً منهما في مواجهة الآخر، بل تعمل على منع هيمنة أحدهما على الآخر، كما تعمل على تقوية كلّ منهما للآخر أيضاً.

وقد سارت سورية خطوات واسعة ومتقدّمة في تنمية مؤسسات المجتمع المدني في سورية على نحو بارز، أظهره وبيّن معالمه خطاب القسم لعام 2000؛ لكونه دليل عمل لتنمية العمل المؤسساتي في الدولة والمجتمع، إذ بيّن الأسس الرئيسية للتطوير والتحديث وتنظيم المجتمع(9)، وتحدّث عن أدوات ذلك، وفي مقدّمتها الديمقراطية، إضافة إلى الفكر المتجدد والنقد البناء ووضع الاستراتيجيات، والعمل المؤسساتي، والمساءلة والشفافية والمسؤولية.

ومن المعروف أن هذا الخطاب قد أثار حراكاً مجتمعياً واسعاً في سورية، غير أنّ بعض هذا الحراك ابتعد عن أدبيات الحوار، ولا سيّما ما منه إلغائياً وإقصائياً لأربعين سنة مرّت من تاريخ سورية، وهو تاريخ قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، كما كان خطاباً يحمل كثيراً من المغالطات في بياناته ونداءاته، ولا سيّما ما سمّي بوثيقة السلم الاجتماعي(10).

وكان من أبرز مخاطر تلك الحوارات ما يلي:

1- أنّها لا تعترف بمدنية تنظيمات الجبهة الوطنية التقدمية، ولا بمدنية المؤسسات الوطنية الديمقراطية الشعبية في القطر العربي السوري، في حين احتكرت لنفسها وحدها الجدارة بتسمية المجتمع المدني وقيادته.

2- أنّها قدّمت نفسها بديلا للسلطة السياسية، على نحو انقلابي، دون أن تمتلك أية شرعية حقيقية شعبية في مجال العمل السياسي، بل إنّ أغلب أصحاب تلك الحوارات مفرزون من تنظيمات حزبية ماركسية أو قومية اشتراكية لأسباب تتصل بالتطرف في الرأي والممارسة، على نحو يجعل منهم ممثلين نموذجيين للفكر السياسي الاستبدادي، لا الديمقراطي الشعبي.

3- أنّ بعض الحوارات حضرها مندوبون من سفارات أجنبية، وهذا بعيد عن تقاليدنا الوطنية والقومية، ويمسّ بالسيادة التي نعتزّ بها، كما أنّ بعض نشاط هذه الفئة حظي بدعمٍ خارجي، يَستهدف الثقافة العربية المقاومة، عبر نشر ثقافة التسوية، وإضعاف تماسك المجتمعات العربية ووحدتها.