العرب والمجتمع المدني كمقوّم ضروري للديمقراطية نتيجة لدكتاتورية التجربتين الفاشية والشيوعية



على الرغم من أنّ النسبَ إلى المدينة عميقُ الجذور في الثقافة العربية فإنّ مصطلحَ (المجتمع المدني) جديدٌ عليها؛ إذ برز تداوله في أدبيات الدراسات الفلسفية والسياسية والاجتماعية العربية في عقد الثمانينات من القرن العشرين خاصّة، ثم اتسعت دائرة حضوره بعد انتهاء الحرب الباردة، وسقوط الاتحاد السوفييتي في مطلع العقد التاسع من القرن الماضي، انسجاماً مع ظهور توجهات عالمية راحت تؤكّد «بشكل مميّز على فكر المجتمع المدني كمقوّم ضروري للديمقراطية نتيجة لدكتاتورية التجربتين الفاشية والشيوعية في القرن العشرين.

لكن النظم السياسية للدول العربية في العصر الحديث اتخذت في الغالب طوابع مدنية بعد نيل الاستقلال، ومنها سورية ولبنان ومصر والسودان وتونس، غير أنّ تلك الطوابع لا تُعبّر عن تحولاتٍ اجتماعية واقتصادية حقيقية بقدر ما تُعبّر عن تأثّر بالنماذج الديمقراطية والمجتمعية المدنية في أوربا، ولا سيّما فرنسا والمملكة المتحدة، إضافة إلى إيطاليا وألمانيا.

ومن ثمّ كانت العلاقة بين الدولة القطرية العربية (المجتمع السياسي) ومؤسسات مجتمعها المدني لها طابع المجتمع المدني شكلاً، ولها طابع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية المهيمنة مضموناً، وهي علاقات تاريخيّة تقليدية، يمكن وصفها بأنّها ما قبل مدنية، وما قبل قومية، وبعضها ما قبل قطرية أيضاً.

ومن الواضح لمن يقرأ علاقة المجتمع السياسي للدولة العربية القطرية بمجتمعها المدني أنّ لكلّ دولة أو مجموعة دول نمطاً خاصّاً من العلاقات؛ فطبيعة بعض أنظمة الحكم العربية بعيدة جدّاً عن ممارسة الديمقراطية والرقابة الشعبية على السلطة السياسية، ولدى بعضها الآخر ممارسات ديمقراطية متقدّمة، على الرغم من أنظمة حكمها الوراثية كما في (الكويت والبحرين والأردن والمغرب.
وهذه الأنظمة تختلف كثيراً عن الحال في مصر والجزائر وتونس وليبيا.

أمّا الوضع في لبنان فهو يمثل شكلاً واحداً للديمقراطية العربية، لكن المجتمع اللبناني له طبيعة أهلية لا مدنية، وهو لا يتمتّع حقيقة إلا بالحدّ الأدنى من مفاهيم المساواة في الحقوق والواجبات السياسية التي تأسس عليها مفهوما المواطنة والمجتمع المدني.

وفي جميع الأحوال يستطيع المتابع لتوزيع التنظيمات والمؤسسات والتجمعات المدنية العربية أن يحصي عشرات الآلاف منها، لكن يجب التنبيه إلى أنّ كثيراً منها له طابع أهلي لا مدني.

ويستطيع المراقب أن يلحظ سريعاً أن الدولة القطرية العربية قد بالغت، في الغالب، في تهميش مجتمعها المدني، وفي إلحاقه بالمجتمع السياسي للدولة، فأضحت مؤسسات المجتمع المدني ملحقة بالدولة أو بالأحزاب السياسية، وفقدت بذلك دورها في الرقابة والمساءلة والمبادرة إلى تقوية مفردات المواطنة والديمقراطية الشعبية.

غير أنّ سعي أي نظام سياسي نحو تنمية حقيقية للدولة ومجتمعها سوف ينتج المؤسسات المدنية المناسبة لنمط التنمية المستهدف، وفي مقدّمتها الأحزاب السياسية ذات الطابع الوطني والقومي الذي يتجاوز البنى الاجتماعية التقليدية فكراً وتنظيماً، وبناءً لمؤسسات المجتمع المدني.

ومن الملاحظ أيضاً أنّ الخطاب الراهن لنخب المجتمع المدني عربياً هو في الغالب خطاب إلغائي وإقصائي للقومية العربية ولمضمونها الاجتماعي الاشتراكي، ولطابع المقاومة والممانعة للكيان الصهيوني.

وقد شكّل هذا التوجه المندّد بموروثنا القومي العربي التحرري ظاهرة ثقافية عنوانها الرئيسي: «هجاء التاريخ، ومدح الجغرافيا، وهو ما يعني ـ وعلى سبيل المثال ـ أنّ العلاقة بين مصر وإسرائيل أكثر أهمّية من العلاقة بين الأولى والعراق بسبب تفكّك التاريخ الذي أعطى مفهوم العروبة».

وهذا النمط من النخب المدنية قدّم لنا نموذج المثقف العربي المدني المأخوذ بظاهرة العولمة الكونية، والذي يرى في المثقف القومي العربي التنويري «داعية للاستبداد، وبائعاً للأوهام، مؤكّداً صورة المفكر المجرّد من السياسة والأيديولوجيا».

إن زمن العولمة عند مروجي دعوات المجتمع المدني وفق التصورات الغربية هو زمن كوني جديد أسقط الأيديولوجيات المستبدة، ومنها القومية العربية التي يمانع دعاتُها التطبيع مع العدو الصهيوني لأسباب تتصل بعقد نفسية، وعنصرية، وتخلف حضاري، في مقابل مدنية الإسرائيليين وتقدّمهم الحضاري.

وقد بلغ الأمر بعد مجازر غزّة (مطلع 2009) أنّ أصبح بعض هؤلاء سفراء حقيقيين للعدوان، يعتزّ الصهاينة بهم، وينشرون كتاباتهم على موقع وزارة خارجية الكيان الصهيوني.

إنّ هؤلاء الدعاة إلى المجتمع المدني يسيرون في الركب المناهض للمشروع القومي العربي التحرّري، فما يدعون إليه تغييبٌ لحقيقة الصراع في المنطقة، أعني الصراع على الأرض وصناعة التاريخ عليها، صراع أصحاب الأرض والحقوق مع المحتل، صراع استبدال هوية صهيونية عنصرية محتلة بالهوية العربية الإسلامية التي منحت الإنسانية رسالات حضارية خالدة.