من تاريخ المواطنة والديمقراطية وارتباط مفهوم المجتمع المدني بمفهومي المواطنة والديمقراطية



يرتبط مفهوم المجتمع المدني بمفهومي المواطنة والديمقراطية، وهما مفهومان، يقال إنّ مدينة (أثينا) اليونانية هي التي أنتجتهما تاريخياً، حين بلغت درجة عالية من الرقي الحضاري في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، وهو رُقي أنتج تساوي المواطنين الأثينيين في حقّ المشاركة الشخصية في المناقشات والتصويت في الجمعية التشريعية للمدينة، والإسهام في الإدارة عن طريق الخدمة في هيئة المحلفين، وعضوية المجلس التنفيذي الذي كان يُجدّد بالتناوب عن طريق القرعة.

لكنّ المواطنة في (أثينا) لم تكن شاملة، بل كانت «قاصرة على الذكور المولودين أحراراً، وتَسْتَثْنِي النساء والعبيد والمقيمين الأجانب»، وهذا يعني أن (الحقوق المدنية) لم تكن متاحةً إلا لفئة من مواطني (أثينا)، وأنّ مجتمعها المدني كان يفتقر إلى المساواة بين سكان المدينة، ومن ثمّ، يمكن القول بأنّ نموذجها الديمقراطي كان منتقصاً جدّاً من جهتي الانتخاب والرقابة الشعبية لسلطة المنتخبين.

والأمر نفسه يمكن أن يُقال عن (روما) التي ورثت الحضارة اليونانية، ومنها الديمقراطية المنتقصة، غير أنّ طابع (روما) الإمبراطوري جعل السلطة فيها أكثر انفتاحاً في دائرة المواطنة، وممارسة حقوقها؛ إذ تجاوزت دائرة المدينة/ العاصمة، غير أنّها لم تكن تساوي بين المنتمين إلى الإمبراطورية الرومانية، إذ ثمّة مواطنون رومان في مقابل الرعايا من الأحرار والعبيد، والنساء والرجال، والمقيمين في روما وغير المقيمين فيها.

لكنّ نسبة أوّلية إنتاج مفهومي المواطنة والديمقراطية إلى مدينة (أثينا) أمرٌ ليس من اليسير التسليم به تاريخياً؛ لكون الشرق، ومنه سورية والعراق ومصر واليمن، قد عرف (دولة المدينة) قبل غيره، ومن ذلك دول مدن ما قبل الميلاد، ومنها إيبلا وأوغاريت وماري. وهي دول نُظّمت فيها حياة الناس في المجتمع، كما نُظّمت علاقة المجتمع بالدولة.

كذلك كان لملوك دول اليمن القديمة: معين وقتبان وسبأ وحمير مجالسُ استشارية، لها سلطات واسعة، وكانت دولهم تتبع النظام اللامركزي في الحكم، وكان لكلّ مدينة من مدنها استقلال داخلي، وهيئات دينية وحكومية محلّية خاصة بها، كما كان للمرأة منزلة كريمة جدّاً في الشرق، سمحت لها بالوصول إلى رأس الهرم في السلطة، ومنهنّ بلقيس وسمير أميس والزبّاء.

وفي قلب الجزيرة العربية كان النظام، قبل الإسلام، في مدينة (مكّة) شبيهاً بالنظام الجمهوري الديمقراطي، من جهة توزيع السلطات، وديمقراطية القرارات الخاصة بالمدينة، وهي في ذلك لا تقلّ حرية ولا مساواة بالمواطنة عمّا كانت عليه (أثينا)، بل قد نجد في مكة من الأعراف ـ ولها حكم القانونـ ما يعطيها خصوصية قد لا نجدها في (أثينا)، ومن ذلك حلف الفضول، والتنوّع الديني؛ إذ في مكة أحنافٌ ونصارى ومشركون: حمسٌ وغير حمس، إضافة إلى وجود آلهة قريش إلى جانب آلهة القبائل في الكعبة وحولها.

وأمّا وثيقة المدينة التي كتبها الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّمـ في السنة الأولى للهجرة/622م، فهي عقد اجتماعي مدني غير مسبوق، ساوى بين المواطنين (سكان يثرب)، وجعلهم ذمة واحدة، هي ذمّة الله، على الرغم من تنوعهم الديني والقبلي.

ويضاف إلى ذلك أن التاريخ الحضاري للأمة العربية يبرز على نحو واسع جدّاً عراقة التنظيمات والمؤسسات المجتمعية التي عملت في الغالب على نحو مستقلٍّ عن الدولة، ومنها المكتبات ومؤسسات الوقف التي تنوّعت خدماتها علمياً واجتماعياً واقتصادياً ودينياً، لكنها لم تكن يوماً في وضع المعارض للسلطة، بل كانت تحظى دائماً برعاية الدولة وحمايتها.

وبناءً على ذلك يمكن القول بأنّ دول المدن، في العالم القديم، شرقاً وغرباً، تشابهت كثيراً في نظرتها إلى المواطنة وإلى نظام الحكم، لكنّ قليلاً منها قد تميّز في هذا المجال، ومنها (أثينا ومكّة).

أمّا أبرزها فيثرب/ مدينة رسول الله. ولذلك أهمّيته لكون مجتمع دولة المدينة أصيلٌ في التاريخ الحضاري لأمّتنا، وسابق لأيّ ظهور أوربي مشابه له.

وأمّا المساواة بين الناس ـ وهي فكرة رئيسية في مفهوم المواطنةـ فقد أنتجتها على نحو رئيسي رسالات السماء التي ظهرت في الأرض العربية، والتي يُعبّر عنها على نحو واضح جدّاً في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية.