المواطنة والمجتمع المدني في الوطن العربي والمنظور الغربي لخصوصية المجتمع وتوجهاته القومية



إن طرح مقولات المواطنة والمجتمع المدني في سورية خاصة، وفي الوطن العربي عامة، وفق المنظور الغربي فيه مصادرة مسبقة لخصوصية مجتمعاتنا العربية، ولأهدافها السياسية، ولتوجهاتها القومية العربية، وذلك لأنّ مقولة المجتمع المدني أوربياً وأمريكاً تتضمّن الآتي:

1- المجتمع المدني الغربي هو مجتمع الدولة/ الأمة.
ومجتمعنا العربي هو مجتمعات الدول القطرية التي تطمح إلى بناء الدولة القومية العربية والمجتمع القومي العربي.

2- المجتمع المدني الغربي هو مجتمع مدن الدولة، بينما مجتمعنا العربي هو مجتمع قليل من المدن وكثير من الريف والبادية، ولهذا التعدّد في الأطوار الاجتماعية والاقتصادية أهمية بارزة في إثارة تساؤلات حول مصداقية نعت مجتمعات الدول القطرية العربية أو بعضها بالمدني.

3- المجتمع المدني الغربي متحرّر من الاستعمار والتخلّف، ومجتمعنا العربي يسعى إلى التحرر من التخلّف، كما أنّ بعضه ما يزال يسعى إلى التحرّر من الاحتلال المباشر لأراضيه أو من التهديد بالاحتلال، ولذلك أهميّة كبيرة في طبيعة مفهوم الأمن القومي والقطري، كما أنّ له تأثيراً في المواقف الصلبة أحياناً من كلّ ما يهدّد ذلك الأمن، وإن ارتدى لبوس الديمقراطية والمدنية.

4ـ للمجتمع المدني الغربي ثقافات، لا تكاد تعترف بقوميتنا العربية، ولا بخصوصيتنا الثقافية، وهو مجتمع أنتج، وما يزال ينتج، في الغالب، سلطات سياسية معادية لنا، وتسعى إلى تفتيتنا، وإبقائنا في حالة التبعية، عبر وسائل مختلفة، أبرزها إيقاظ الهويات التفتيتية الكامنة.

إن ما سبق يشير صراحة إلى خطورة دعوات المجتمع المدني وفق المنظور الغربي، وإلى خطورة استعمال هذا المصطلح؛ إذ المطلوب منه، بشكل رئيسي، وغالباً، أن يكون مجتمعاً هجيناً، وفسيفسائياً مبعثراً، لا مدنياً، وأن يكون في مواجهة السلطة السياسية، وفي مواجهة الفكر القومي، وفي مواجهة الوحدة الوطنية، وفي مواجهة الفكر التحرّري والمقاوم للاحتلال الإسرائيلي والأمريكي لفلسطين والعراق.

لكنّ ذلك لا يعني غضّ الطرف عن ضرورة سعي المجتمع العربي دائماً إلى تجاوز نفسه بالممارسات الديمقراطية المناسبة، وببناء المؤسسات المجتمعية التي تتفاعل مع المجتمع السياسي، وتتطوّر على نحو خلاق وبنّاء.

وبناء على قراءة واقع المجتمعات العربية يجب القول بأنّ المجتمع المدني هو ما يطمح إليه العرب لتحقيق التنمية والعدالة، لكن ذلك لا يتمّ بالنوايا الطيبة، ولا بالقرارات الفوقية المخلصة، كما أنّه لا يتحقّق أبداً بالاستيراد من الآخر، ولا بمحاولات فرض مقولاته وثقافاته وأنظمة حكمه، بل يتحقق عبر حراك مجتمعي تاريخي ينتج مجتمعاً عربياً مدنياً أصيلاً.

فمن يتصدّى لذلك؟ وما السبيل إليه؟
إن خيار التنمية الشاملة لكلّ نواحي الحياة هو ما سينتج مجتمعنا العربي المدني الأصيل، وتلك التنمية الشاملة توجب اتساع مجال من يتصدّون لها، غير أن ثقافة المواطنة الحقّة، في ظنّي، هي المرتكز الرئيسي الذي يجب أن ينشأ عليه الناس تربوياً في رياض الأطفال والمدارس والجامعات، وأنّ تفعّله وتقوده المؤسسات المدنية، ولا سيّما الأحزاب السياسية.
ويمكن لنا أن نُسجّل في هذا المجال الملحوظات التالية:

1- ثمّة كثير من المؤسّسات والمنظمات السياسية والفكرية والاجتماعية العربية، لكنّ بعضها فقط يمكن نعته بالمدني، شكلاً في الغالب، أمّا مضموناً فمؤسسات المجتمع المدني العربي تعاني غالباً من عطالة ذاتية، تعوق قيامها بما يجب تجاه أهدافها المعلنة، وتجاه مصالح الشرائح التي تمثّلها، فإن وُجدتْ المؤسسة التي تمثّل مصالح شريحتها الاجتماعية أو الثقافية فقد نجد ضعف أدائها تجاه حقوق الشرائح الأخرى عليها.

2- يجب تفعيل مشاركة المواطن العربي وتشجيع المبادرات الخلاقة لتطوير مؤسسات المجتمع المدني، والعمل المستمر على الارتقاء إلى مستوى المواطنة التي يكفلها الدستور، وذلك بتطوير أداء مؤسسات الدولة، والتأكيد على تكافؤ الفرص، ووضع آليات علمية دقيقة لذلك.

3- ثمّة مؤسسات مجتمع أهلي عربي كثيرة، أنتجتها طبيعة مجتمعاتنا العربية، ويغلب عليها الطابع الخدمي الصحي والاجتماعي، ولها وجود قانوني وشرعي ومفيد غالباً، وهي لذلك بحاجة إلى الرعاية والدعم، ما دامت لا تمارس نشاطاً سياسياً أو ثقافياً، يخلّ بالوحدة الوطنية، أو يناقض القومية العربية.

4- المراجعة المستمرة لأساليب القيادة للدولة والمجتمع، لتكون الدولة حامية للمجتمع وراعية لأمنه وسلامته، وتكون منظمات المجتمع المدني مقوّمة لأداء المجتمع السياسي، وداعمة له، وبعيدة عن الترهل، ومتمسكة بالديمقراطية والرقابة.

5- يجب أن تعمل الأحزاب السياسية بشكل مستمرّ على تطوير مقولاتها الفكرية، وأدائها السياسي على نحو يكون أكثر تعبيراً عن مصالح الناس، وعن المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والإقليمية والدولية، وغير ذلك ممّا يؤثّر في تنمية الوطن والمواطن.

6- ثمّة حالات مراجعة فكرية وسياسية مهمّة جدّاً للأحزاب العربية، ويأتي في طليعتها الحراك البعثي في الجمهورية العربية السورية، ولا سيّما توجهات مقررات المؤتمر القطري العاشر نحو تنظيم العلاقة بين الحزب والسلطة على نحو متوازن لتقويتهما معاً، ولتفعيل دور الحزب ليكون معنياً بمراقبة تطبيق الحكومة لسياساته وتوجّهاته العامة، دون أن يتدخّل بالأمور الإجرائية، والتفاصيل التنفيذية للعمل الحكومي في مستوياته المختلفة.

ولعلّ من المهمّ في هذا الحراك التوجهات نحو صياغة بعض المنطلقات الفكرية للحزب، وقد توّجت بندوة فكرية موسّعة، دعت إليها القيادة القطرية، شاركت فيها قيادات الحزب، وعدد من مفكريه، وكان من توجهاتها الرئيسية التأكيد على الطابع المدني للحزب فكراً تنظيماً وقيادة للدولة والمجتمع.

لكنه الطابع المدني المنحاز إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والمدرك لضرورة الارتقاء بمؤسساتنا المجتمعية المختلفة لتكون مدنية بأدائها الرقابي والخدمي الذي يرتقي بالوطن والمواطنة معاً.