سوء الاختيار وانعدام الكفاءة بين الزوجين في الدين والخلق



حث الإسلام على حسن الاختيار والكفاءة في الزواج وعنى بذلك الكفاءة في الدين والخلق، كما قال الله عز وجل: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ([1]).

 وقول الله عز وجل: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) ([2]).

وكما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ".([3]).

وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنهن أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَه ودِينَهُ فَزَوِّجُوهُ".([4]).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تخيروا لنطفكم، فانكحوا الأكفاء،وأنكحوا إليهم. ([5]).

قال ابن حجر: "واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه فلا تحل المسلمة لكافر أصلاً" ([6]).
وقال ابن القيم: "والذي يقتضيه الحكم اعتبار الدين في الكفاءة أصلاً وكمالاً فلا تزوج عفيفة لفاجر ولم يعتد القرآن والسنة في الكفاءة أمراً وراء ذلك"([7]).

 فهذه هي الكفاءة الحقيقية، أما ما عدا ذلك من أمر الصناعة أو النسب، أو الحرية، أو الغنى، فهذا كله لا اعتبار له بميزان الله سبحانه وتعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وحينما حث الإسلام على الاختيار على أساس الدين والخلق وطيب الأصل والمنبت، فلأن صاحب الدين والأصل الطيب أعون على استدامة الحياة الزوجية و أقرب إلى طيب العشرة فلا يصدر منه إلا العشرة الكريمة و الحياة الطيبة و إذا أحب أكرم وإذا أبغض لا يظلم.

قال رجل للحسن البصري: إن لي بنتا وإنها تُخطب، فممن أزوجها؟ فقال زوجها ممن يتقي الله فان أحبها أكرمها وان ابغضها لم يظلمها  ([8]).

ولما أراد نوح بن مريم أن يزوج ابنته واستشار جاراً له مجوسياً،فقال المجوسي سبحان الله! الناس يستفتونك وأنت تستفتيني، قال لا بد أن تشير علي، فقال: إن رئيس الفرس {كسرى} كان يختار المال، ورئيس الروم {قيصر} كان يختار الجمال ،ورئيس العرب كان يختار الحسب، ورئيسكم محمد كان يختار الدين، فانظر لنفسك بمن تقتدي ([9]).

ومثال ذلك ما قالته العاقلة الرزان الحصان، أم سليم (الرميصاء بنت ملحان) حينما خطبها أبو طلحة الأنصاري؟ فقالت له: إن مثلك يا أبا طلحة لا يُرَدُّ، لكنني لن أتزوجك وأنت رجل كافر، أيْ أنت من حيث الصفات ممتاز، شهم ، شجاع، فارس، لك مكانة علية في قومك هذا كله كلام طيب .. إن مثلك لا يُرد، ولكنني لن أتزوجك وأنت رجل كافر، فظن أبو طلحة أن أم سليم تتعلل عليه بذلك، وأنها قد آثرت عليه رجلاً آخر أكثر منه مالاً أو أعز ونفراً، فقدْ أساء ظنًّا حين اعتقد أنّ خاطبًا أغنى منه قد سبقه إلى أم سليم، فتعللت بموضوع الكفر كي تنسحب منه، وتتزوج ذلك الأغنى.

فقال: والله، ما هذا الذي يمنعك مني يا أم سليم قالت ما الذي يمنعني إذاً؟ قال: الأصفر والأبيض، الذهب والفضة، هذا سوء ظن محض. قالت: الذهب والفضة!!. قال: نعم. قالت: بل إني أشهدك يا أبا طلحة، وأشهد الله ورسوله أنك إن أسلمتَ رضيتُ بك زوجاً من غير ذهب ولا فضة، وجعلتُ إسلامك لي مهراً.. فما دمتَ تقول: إنني آثرتُ عليك رجلاً أغنى منك، فأنا أشهِد الله، وأشهِدك أنك إذا أسلمتَ فلن آخذ منك شيئًا، مهري هو إسلامك، هكذا كان الصحابة.

أنا أقول لكم هذه الكلمات: لو أن الإسلام الذي نحن عليه هو الذي كان على عهد النبي، واللِه الذي لا إله إلا هو ما خرج الإسلام من مكة المكرمة إلى المدينة، ولمَا وصل إلى مشارق الأرض ومغاربها إلا بعدما أظهر الصحابة الكرام من المواقف البطولية ما يعجز عن إدراكه البشر. قالت: له أشهد الله، وأشهدك يا أبا طلحة، أنك إن أسلمت لا آخذ منك شيئاً لا أصفر ولا أبيض، وأن مهري هو إسلامك.

وما إن سمع أبو طلحة كلام أم سُليم حتى صرف ذهنه إلى صنمه الذي اتخذه من نفيس الخشب وخص به نفسه كما يفعل السادة من قومه.. عنده صنم من خشب محفور مرتب هو إلهه، لكن أم سليم أرادت أن تطرق الحديد وهو ما زال حامياً، فقالت له: ألست تعلم يا أبا طلحة أن إلهك الذي تعبده من دون الله قد نبت من الأرض.. قال: بلى، قالت: أفلا تشعر بالخجل، وأنت تعبد جذع شجرة جعلت بعضه لك إلهاً، بينما جعل غيرك بعضه الآخر وقوداً به يصطلي، فأنت جعلته صنماً تعبده من دون الله، وغيرك جعله حطباً يصطلي به في الشتاء إنك إن أسلمت يا أبا طلحة رضيت بك زوجاً ولا أريد منك صداقاً غير الإسلام.

قال لها: ومن لي بالإسلام؟ قالت: أنا لك به، قال وكيف؟ قالت: تنطق بكلمة الحق، فتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم تمضي إلى بيتك، وتحطم صنمك، فانطلقتْ أسارير أبي طلحة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.. ثم تزوج مِن أمّ سليم، فكان المسلمون يقولون: ما سمعنا بمهر قط كان أكرمَ من مهر أم سليم، فقد جعلت صداقها الإسلام.([10]).

لكن لكل من الزوجين وأولياء الزوجة الحق باختيار من يناسبها ويساويها وتحسن معه العشرة وتتحقق معه دواعي الاستقرار والانسجام في الأسرة وتجنب دواعي الشِقاق والضرر والتنغيص لكنها إن تنازلت عمّن يناسبها من حيث الحسب والصنعة والسن والتعليم والمال ونحو ذلك فزواجها صحيح لا شيء فيه.

وان كان من الأفضل والأولى أن يكون هناك تقارب بين الزوجين في الحسب والسن والثقافة حتى لا تكون هناك فجوة بينهما، قد تكون سبباً في النزاع والشقاق.

فمما يندى له الجبين أن نجد ولي المرأة يحملها على الزواج من رجلٍ طاعنٍ في السن وليس بينها وبينه أي تكافؤ من أي ناحية فكأنما يذبحها بغير سكين، أو يبيعها في أسواق النخاسة.
وبعضهم يزوجها لم يدفع أكثر، حتى لو كان هذا الزوج سكيراً عربيدً .

فلا ينبغي للمسلم أن يُزوج موليته الصالحة من رجل فاسق فقد قال تعالي: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) ([11]).

وليختر كل من الزوجين كفؤه وما يشاكله، ومن هنا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله الأنصاري وقد نكح ثيبا "هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك"([12]).

وعنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلاَ تَزَوَّجًوهُنَّ لأَمْوَالِهِنَّ، فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأَمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ ، أَفْضَلُ" ([13]).

فانعدام الكفاءة يؤدي إلى الجفاء والغلظة وقد يتعالى أحدهما على الآخر بماله أو حسبه أو بسنه أو بمستوى تعليمه؛ مما يؤدي إلى التنافر والتباعد.

فيا أيها المقبل على الزواج أحسن الاختيار ابتداء تحصل على الراحة والسعادة انتهاء .

([1]) الحجرات:13.
([2]) النور:3. 
([3]) أخرجه البخاري (5090) ومسلم (1466).
([4]) أخرجه ابن ماجه (1967) والترمذي (1084).
([5]) (رواه الألباني في صحيحه برقم 1067).
([6]) (فتح الباري 9/1329).
([7]) (زاد الميعاد 5/159).
([8]) الغزالي: إحياء علوم الدين 2/14.
([9]) الزمخشري: ربيع الأبرار1/469).
([10]) (انظر القصة في: النسائي في سننه ج 6/  ص 114 حديث رقم: 3341 صحيح أحكام الجنائز للألباني (24_26).
([11]) النور/ 26.
([12]) ( متفق عليه).
([13]) أخرجه عبد بن حُميد (328)و أخرجه ابن ماجه (1/597، رقم 1859).
بدر عبدالحميد هميسة


0 تعليقات:

إرسال تعليق