التحديث السياسي والتنمية السياسية.. مدخل النسق - الوظيفة. مدخل العملية الاجتماعية. مدخل التاريخ المقارن. نظريات التغير السياسي



التحديث السياسي والتنمية السياسية
Political modernization and political development

إن مفهوم التحديث السياسي والتنمية السياسية، مثل غيره من المفاهيم في علم السياسة، يعاني من كثير من عدم الوضوح، إذ ليس هناك اتفاق بين العاملين في حقل علم السياسية حول تعريف دقيق للمفهوم.

فعلى سبيل المثال، أورد لوسيان باي Lucian W. pye عام 1996 م عشرة معان وتعريفات لمفهوم التنمية السياسية، وحاول تقديم تعريف خاص به، وحقيقة فإن غموض المفهوم تدفع الباحث إلى التشكيك في قيمته، أي المفهوم، جملة وتفصيلاً.

إذ، وكما يقول سامويل هنتنغتون Samuel Huntington، "ماذا تعني التنمية السياسية إذا كانت تعني كل شيء وأي شيء".

بسبب هذا الغموض، فإن مفهوم التنمية السياسية قد تُرك حقيقة مع بداية السبعينات من هذا القرن حيث حل محله العديد من المفاهيم البديلة التي تحاول أن تكون وصفية بشكل أكبر، وتحليلية بشكل أعمق.

وعلى ذلك، فإن التركيز يجب أن يكون منصباً على "قيمة المفهوم" وليس على تطوره الفكري والتاريخي.
ولكن ذلك لا يتم قبل استعراض سريع لأهم المقاربات أو المداخل Approaches التي ناقشت مفهوم التنمية السياسية.

وفي هذا المجال، يمكن القول إن هناك أربع مقاربات رئيسة تعد الأكثر أهمية بالنسبة للتعامل مع المفهوم محل الدرس، ألا وهي:

أولاً: مدخل النسق - الوظيفة
The System- Function App 
يشمل هذا المدخل كتابات تالكوت بارسونز، وجبرايل الموند، وديفيد ايسون، ودافيد ابتر، وماريون ليفي، وليونارد بندر، وفريد ريغز، ويمكن إيجاز هذا المدخل بالقول بأنه: "يركز أولاً على النسق ككل وذلك كوحدة للتحليل، وافتراض وظائف معينة كمتطلبات للحفاظ على النسق ككل ثانياً، وأخيراً فهو يهتم ببيان وإثبات العلاقة المتداخلة والاعتمادية بين مختلف البنى في النسق".

وقد طور المدخل عدداً من المفاهيم من أجل مقارنة مختلف الأنساق السياسية Pp;otoce; System، وذلك مثل البنية Structure، الشرعية Legitimacy، المدخلات Input، المخرجات Outputs، الأثر الاسترجاعي Feedback، البيئة Environment، الوظيفة Function، التحويل Transmision، وأخيراً التوازن Balance.

وباستخدام هذه المفاهيم، فإن هذا لامدخل يدرس التغير السياسي بناءً على تعريفه للتنمية السياسية من حيث كونها أحد نتائج عملية التحديث Modernization.

ويقول التعريف إن التنمية السياسية عبارة عن "التمايز والتخصص المتنامي للبنى السياسية، وتزايد النزعة العلمانية في الثقافة.
وعند تقويم هذا المدخل، يمكن القول إن ميزته الرئيسة هي في شمولية وعمومية مفاهيمه.

غير أن هذه الميزة تشكل مصدراً لعيوب عديدة، لعل أهمها تحول المدخل إلى درجة عالية من التجريد بحيث أصبح إطاراً نظرياً قائماً بنفسه ولنفسه.

وبصفة عامة، فإن المدخل واجه نقداً قاسياً على أساس أنه: "غامض لفظياً، مبهم منهجياً، أمبيريقياً، وفي الختام يعاني من نقص القدرة التفسيرية والتنبؤية".

ثانياً: مدخل العملية الاجتماعية
The Social Process App
في أدبيات هذا المدخل نجد أسماء دانيل ليرنر، كارل دويتش، رايموند تانتر، هيوارد الكر، فيليبس كاراترايت، ومايكل هدسون.
وحدة التحليل هنا هي العملية Process، وليست النسق System عمليات مثل التمدين Urbinisation، التصنيع Industriali،التشجير Commercialization، الحركية الاجتماعية والمهنية Social Mobility، واتساع نطاق التعليم، يحاول المدخل الاستفادة منها من أجل البحث عن علاقات ارتباط بين المتغيرات يمكن أن تقاس امبيريقياً أو تجريبياً.

ورغم أن هذا المدخل أقل تجريداً من سابقه، وأكثر قابلية للفحص التجريبي، إلا أن له عيوبه في التعامل مع مشكلات التغير تركيزاً على تحليل المجتمعات مكتملة النمو وتجاهل المجتمعات ناقصة النمو، حيث مشكلة التغير السياسي أكثر حدة.

وثاني هذه العيوب هو ما يمكن تسميته مشكلة الصحة والمعنى،  وبذلك نعني أنه هنا تتعلق بمستوى التحليل والعلاقة بين المستويين الكلي والجزئي في التحليل.

وثالث هذه العيوب هو أن هذا المدخل،  في بحثه عن القياس الكمي وقابلية الفحص الامبيرقي، يعاني من مشاكل في تعريف المتغيرات السياسية، فهو يسعى لقياس هذه المتغيرات وفق دلالات ومؤشرات معينة، ومحاولة البحث عن المعلومات الضرورية،  دون أن يقدم تعريفاً نظرياً محدداً للمقصود أساساً بهذه المتغيرات.

ثالثاً: مدخل التاريخ المقارن
The Comparative History App
في أدبيات هذا المدخل، نجد أسماء مثل سيريل بلاك، س.ن.ايسنستادت، دانكوارت روستو، سيمور مارتن ليبست، بارنغتون مور الابن، رينهارد بيندكس، وأخيراً أعضاء لجنة الـ SSRC في السياسة المقارنة.

وحدة التحليل في هذا المدخل هي المجتمع ككل متكامل.
فإذا كان النسق هو وحدة التحليل للمدخل الأول، وكانت العملية هي وحدة التحليل للمدخل الثاني، فإن المجتمع هو وحدة التحليل لهذا المدخل.

والتركيز الرئيسي لهذا المدخل هو في المقارنة بين مجتمعين أو أكثر وذلك من أجل الكشف عن انماط معينة للتطور السياسي، وذلك من خلال "مراحل عامة" لا بد أن تعبرها المجتمعات.

والمساهمة الحقيقية لهذا المدخل في أدبيات التنمية السياسية إثما تكون في قابليتها للفحص التجريبي.
فهو يبدأ "بالمادة الحقيقية للتاريخ " ويركز على الظواهر المتميزة في التحديث. أما أهم عيوبه، فهو الإفتقار للدقة والعمومية نتيجة ذلك.

رابعاً: نظريات التغير السياسي
Theories of Political Change
يركز هذا المدخل على الحدث، أي التغير السياسي، دون إعطائه مضامين قيمية.

بمعنى أن أكبر مساهمة لهذا المدخل هو في التحرر من الغائية، أو الأهداف المحددة سلفاً، كما نلاحظ في منهج النسق - الوظيفية، والتحرر من تلك المراحل ذات المدى الواسع التي تفتقر إلى التحديد الدقيق والقياس عند أدنى درجاته، كما في منهج التاريخ المقارن، وأخيراً التحرر من التحليل الكمي الصارم والمبالغ فيه الذي يبحث عن الدقة على حساب الأهمية، وذلك كما في منهج العملية الاجتماعية.