التقارب بين الحجاز وإمارة حايل.. تعاون الشريف حسين مع ابن الرشيد بعد تردي العلاقات الحجازية ـ النجدية إثر معركة تربة وهزيمة الحسين فيها أم ابن سعود



ظلت العلاقات بين الحسين وامارة حايل خاملة دون ان يكون هناك ما يلفت الانتباه اغلب فترة الحرب، لكن العداء المشترك الذي يكنه الجانبان لسلطات نجد كان له اثره في تغير ما كان يسود العلاقات من البرود، وتحولت الى نوع من التفاهم.

اذ تشير بعض الاشارات الوثائقية الى مبادرات تحالفية بين الجانبين في الايام الاخيرة من الحرب العالمية الاولى، بدأها ابن الرشيد في رسالة وجهها الى الامير عبد الله بهذا الخصوص.

وردا عليه طلب الحسين خضوعه لسيادته، وقطع علاقاته مع الاتراك، كدليل على حسن نيته، الا ان ابن الرشيد كان يرغب ـ كما يبدو ـ ان تكون سيادة الحسين اسمية، ومن هنا جاءت احدى شروطه لقبول دعوة الحسين، متمثلة بالمطالبة بمنطقة تيماء ومناطق اخرى كان الجيش الحجازي قد احتلها سابقا.

وهذا ما رفضه الحسين، وخير ابن الرشيد بين القبول، او رفض خضوع غير مشروط قبل اية مناقشات اخرى.
وقيل ان ابن الرشيد وافق حينها على هذه الصيغة، وهذا ما اوضحه الحسين نفسه في احدى لقاءاته بالمعتمد البريطاني في جدة.

ومع ان عداء الحاكمين الاخيرين لابن سعود امر لا غبار عليه، فإن الدقة تقتضي القول ان العداء الحجازي النجدي لم يكن بتلك القوة كما هو عليه بعد معركة تربة سنة 1919، الامر الذي قد يفسر إيجابيات الحسين بهذا الصدد في نصيحته لابن الرشيد بتجنب أي عمل عدواني ضد ابن سعود لما تتطلبه ضرورة وحدة العرب وخدمة مصالحهم. وقد أشار المعتمد البريطاني بهذا الخصوص ان (الظروف الحالية توفر للملك حسين فرصة مدهشة من اجل دفع هدف وحدة العرب الى امام).

واذا كان الخلاف الحجازي النجدي اقل حدة عما هو عليه بعد معركة تربة، فإن النزاع التاريخي بين ابن الرشيد وابن سعود ظل محتفظا بقوته، وبقي حاكم حايل يتربص عدوه النجدي لينتقم لدم ابيه الذي قتل بيد اتباع عبد العزيز ابن سعود واذا ما ربطنا هذا العداء بالبرود الذي اخذ يلوح على علاقة حايل بالاتراك هذه الآونة كما تقدم، نكاد نشخص سبب توجه ابن الرشيد الى محالفة الحسين.

وكما اشرنا فإن الحسين لم يغير موقفه المعتدل وبما يتناسب وحجم خلافاته مع نجد، واتخذ موقف الناصح من ابن الرشيد ـ الذي طلب المساعدة لمهاجمة عبد العزيز ابن السعود  ـ ولم يكترث كليا بالتهم التي كان يكيلها امير حايل ضد ابن سعود ـ كعزم الاخير لمهاجمة الامير عبد الله، او اتصالاته بفخري باشا الحاكم العثماني للمدينة، وعزمه لحصار المدينة قريبا ـ واقتدى، على حد قوله، بنصيحة نجله الامير علي في تكذيب هذه التهم، فضلا عن علمه (الحسين) باتصالات حديثة العهد بين ابن الرشيد وعبد العزيز ابن سعود، ولعدم ثقته بالاخير، وللتثبت من صدق الاول طلب الحسين منه ارسال وفد رسمي يؤكد من خلاله على خضوعه النسبي له أي للحسين. وقد استجاب ابن الرشيد لذلك وارسل من يمثله لهذا الغرض.

بيد ان مثل هذه المبادرات لم تؤت ثمارها، ولعل للجهات البريطانية دورها في ذلك اذ أن من الصعب على الحسين مخالفة ابن الرشيد ضد عبد العزيز ابن سعود بحكم التحالف القائم بين الاخير وبريطانيا، فضلا عن أهميته المؤثرة في الجزيرة لدى بريطانيا كما ان الحسين لم يكن بتلك الحاجة القصوى لمحالفة ابن الرشيد ضد نجد، اللهم ماعدا رغبته في ضمه تحت سيادته التي كان يطمح تعميمها على حكام الجزيرة.

غير ان تردي العلاقات الحجازية ـ النجدية إثر معركة تربة وهزيمة الحسين فيها، غيرت في المعادلة السابقة، ودفعت بالحسين هذه المرة لتبني خطوة التعاون مع ابن الرشيد، فيلاحظ من خلال الإشارات القليلة شروع الحسين بتحريض (سعود الرشيد) حاكم حايل لقتال غريمه النجدي، وتعهده بإمداده بكافة الإعانات والذخائر والأسلحة.

ولم يرفض ابن الرشيد بدوره هذا العرض، واعلن عن عزمه لقتال عبد العزيز، ابن سعود بما في ذلك استعداده لذلك.

لكنه تراجع عن نيته، بعد معارضة اتباعه لهذه الخطوة ونصحهم إياه بالتروي وعدم الإيغال في ما عزم عليه.

إضافة الى الاخبار التي وردته عن استمالة عبد العزيز ابن سعود للعديد من عشائر شمر التابعة لحايل الى جانبه  فارسل امير حايل لعبد العزيز ابن سعود يعتذر، ويقترح عقد الصلح بينهما، في الوقت الذي تعذر فيه من الحسين بحجة انشغاله ببعض الفتن التي نشبت في بعض المناطق من إمارته.

لقد فقدت إمارة حايل الكثير من هيبتها، عقب انتهاء الحرب، وجلاء العثمانيين ـ حلفاء الإمارة الرئيسيين ـ عن الجزيرة، واصبحت عرضة لأخطار توحيد المصطلحات، الذي كان يرغب في استئصالها وضمها الى بلاده، فتم له ذلك، وحرك قواته باتجاه حايل في اواخر 1920، حيث أطبقت عليها حصارا شديدا، اضطر (محمد بن طلال) حاكم الامارة  حينها الى الاستغاثة بالحسين وعونه لدفع القوات الوهابية عن حايل، محذرا إياه من التماهل، لانهم محاصروه مستقبلا، اذا ما احتلوا حايل، لكن الحسين تغافل نداءه كما يبدو، ولم يجبه على طلبه، لتدخل القوات الوهابية حايل في اوائل تشرين الثاني 1921.

استنكر الحسين احتلال حايل واعرب عن غضبه بقدر مخاوفه لذلك، ولم يكن بوسعه سوى المطالبة بانسحاب القوات الوهابية عن حايل، وفرض الوهابية على نجد دون غيرها من البلاد.

وذهب في صيف 1922 الى الاتصال بابن سعود يطالبه بالتخلي عن امارة حايل لاصحابها، بما في ذلك مناطق اخرى كان قد احتلها منذ السابق، علما ان طلبه هذا كان ضمن الشروط التي اشترطها (الحسين) للاشتراك في مؤتمر الكويت  اواخر سنة 1923.

وفي مقالة نشرتها القبلة عن جريدة المقطم المصرية، تشير لأغراض الدعاية كما نعتقد ـ الى وجود نوع من الاتصالات بين زعماء شمر والملك حسين، ومطالبتهم إياه بإرسال احد امرائهم من آل الرشيد المقيمين لديه، لقيادتهم ضد ابن سعود.