العلاقات السياسية بين الحجاز واليمن.. إيجابية العلاقة بين الحسين والإمام يحيى بن محمد بن حميد الدين الزيدي قبل تأسيس المملكة الحجازية



تميزت العلاقات بين الحسين والإمام يحيى بن محمد بن حميد الدين الزيدي (1904ـ 1948) بطابع إيجابي فترة ما قبل تأسيس المملكة الحجازية، ونلحظ ذلك في موقف الحسين من الصراع الدائر بين الامام يحيى والأتراك  سنة 1911.

فقد نصح الآخرين بالتفاهم مع الإمام بالشكل الذي يرضي الطرفين ويحول دون صدامها مجددا.

ودخل في مراسلات مع سلطان لحج السيد احمد والإمام يحيى لهذا الغرض. فاستحث الاول في رسالة له في آذار 1911، للتوسع بين الامام والدولة العثمانية، في نفس الوقت الذي حذر فيه من ضخامة القوات المتوجهة الى اليمن وتصميمها على اعادة النظام، واشار الى عزم الدولة للاهتمام بامر الاصلاحات في اليمن، بعد ان اكد على السيد احمد محاولة اقناع الامام بعدم التمادي في عدائه للدولة.

ولم يكتف الحسين بذلك واتصل بالامام نفسه محاولا اقناعه واعاد ما ضمنه رسالته السابقة مهيبا إياه لانهاء النزاع صلحا لما فيه صلاح المسلمين ووحدتهم.

وقد تلقى الحسين رد السلطان احمد الذي أبدى فيه استعداده للتوسط بين الامام والعثمانيين، وشاطر الحسين في تأييده للدولة ولم يبخل الاخير برسالة جوابية ضمنها دعوته السابقة.

وعلى أية حال، ومع اتفاق طرفي النزاع بمعاهدة (دعان) سنة 1911، فإنه لا يمكن ان نتجاهل كليا اثر الدعوة التي تقدم بها الحسين، خصوصا وانها كانت مثلا يحمل التهديد الى جانب اللين والحيلة كما تقدم.

هذا ولم تستهو الامام يحيى ثورة الحسين وفضل التمسك باتفاقية دعان مع الدولة العثمانية، ولم يعر الامام انتباهه للمحاولات التي بذلها المعتمد البريطاني لايقاف الضغوط التي تتعرض لها القوات البريطانية المحاصرة في عدن من قبل القوات العثمانية هناك.

وهذا ما اشاد به السلطان العثماني في خطابه الذي ألقاه في منتصف تشرين الاول 1916، امام مجلس المبعوثان.

محاولة الاتحاد بين الحجاز واليمن: ولعل اهم ما يميز العلاقات بين الحجاز واليمن محاولة التحالف بين القطرين بناء على اقتراح الحسين سنة 1922.

والذي يبدو ان الخطوة الاخيرة التي تقدم بها الحسين للامام يحيى، لاتكاد تخلو باعتقادنا من تصوارات اخرى تبدو اكثر اهمية ووجودا، كأن تكون محاولة للتنفيس عن العزلة والضيق الذي اخذ يعانيه الحسين، جراء تجاهل بريطانيا له خصوصا وان هذه الخطوة تأتى في وقت كان فيه الخطر النجدي ماثلا أمامه، واخذ يحيطه من الشرق والجنوب، فلا غرابة ان يكون التوجه الأخير رد فعل للتحالف النجدي ـ الادريسي، ومحاولة لكسر الطوق الجديد الذي انتهى منه ابن سعود بدخوله عسير ولا غرابة ايضا ان يجنح الحسين لمثل هذه الخطوة في وقت اخذت حكومته تتجه يوما فآخر نحو الإفلاس لانقطاع الإعانات المالية في الحجاز، وكأن يسهم ضمن هذا التحالف في دعم الاقتصاد المتدهور، ولعل ذلك ما يبدو من خلال بعض الاشارات الواردة في بنود مشروع الوحدة.

عمد الحسين في اوائل سنة 1922 الى إيفاد ممثله  الى صنعاء لطرح فكرة الاتحاد الثنائي مع اليمن، ومع عدم وجود ما يشير الى ما دار في مفاوضات الجانبين حينها، الا انها دفعت بهما الى التشاور في الامر، حيث بعث الامام يحيى بدوره وفدا صاحب الوفد الحجازي عند عودته للحجاز، ردا على زيارة الوفد الاخير  واستقبل الوفد اليماني الذي وصل الحجاز في شباط 1922، باهتمام وتقدير.

وكما يبدو من صمت المصادر ان الزيارة اقتصر هدفها على تبادل مشاعر الود واستحسان مشروع التحالف الثنائي  بيد ان تفاهما لابد وان حصل بين الجانبين لاستكمال المباحثات والوصول الى صيغة اتفاقية مقبولة بين الجانبين، ومن هنا جاء إيفاد الحسين لمبعوثيه (الريحاني) و (قسطنطين يني) الى اليمن للسير في هذه الخطوات.

اجتمع الريحاني ويني بالامام يحيى وافصحا عن هدف زيارتهما، بعد ان سلماه كتابا خاصا من الحسين بهذه الخصوص، اكد بعدها الريحاني اهمية فكرة اتحاد البلدين وضرورتها حتى لتسوية مشكلة (الحديدة).

وحينما رد الامام بوقوف الادريسي عائقا في هذا السبيل، طمأنه الريحاني باضطرار الادريسي للانضمام الى الاتحاد المذكور،" اذ لا يقف الضعيف عدوا بين قوتين".

وذهب ان الانكليز سوف لن يعينوا الاخير، عند تقديرهم لقوة التحالف اليماني الحجازي وسيضطرون الى تغيير سياستهم والسعي الى عقد اتفاق تجاري مع اليمن وعسير والحجاز.

انتهى الطرفان الى وضع صيغة مشروع اتفاقية وذلك في اوائل حزيران 1922.
تضمنت احدى عشر مادة  ونلخصها على الوجه التالي:

1- تأكيد الجانبين على وحدة البلاد العربية من حيث روابطها الدينية والقومية واللغة، والسعي لجمع كلمتها الدينية وتوحيد سياستها ضد أي تدخل اجنبي يخل بوحدة واستقلال البلاد العربية.
2- إعتراف الجانبين بملكية وامام احدهما للآخر.

3- يتمتع كل حاكم بالأشراف على سياسة بلده الداخلية منها والخارجية كالسابق، على ان لايحق لاحدهما عقد اتفاقية او معاهدة مع أي دولة أجنبية تتعلق بما تحت ادارة الحاكم الآخر، او يتدخل في شؤونه دون المشاورة، كما ليس لاحدهما نقص اتفاق للآخر، سبق هذه الاتفاقية فضلا عن كون الاتفاق ذاته غير نافذ في القطر الآخر، اضافة الى ان هذه الاتفاقية لا تنقض أي اتفاق قديم بين الامام والحكومة العثمانية او بين الحسين والحكومات الأخرى.

4- يقف كلا الحاكمين عونا للآخر، حالة قيام عدوان خارجي او داخلي، ويتوقف ذلك على طلب احد الطرفين عند الضرورة.

5- يقدم احد الحاكمين ما يتمكن تقديمه من المساعدة التي يطلبها الحاكم الآخر حالة ظهور عدو مشترك للطرفين على ان يتحمل صاحب الطلب تأمين لوازم واحتياجات القوة المساعدة.

6- التاكيد على تأمين الاتصالات ووسائلها بين اليمن والحجاز، واتخاذ مايلزم لتسوية العائق الذي يقف في طريق هذه الاتصالات، والمتمثل بالادريسي، سواء بالطرق السياسية او عن طريق القوة.

7- الاتفاق على تداول النقود الفضية غير المغشوشة التي تضرب في الحجاز، في كلا المملكتين بقيمتها المعينة، بعد الاعلان عن كيفية تداولها وكمية النقود والصفة المميزة للسكة.

8- يعين مندوب واحد عن كل جانب في عاصمتي المملكتين تسهيلا للتشاور والمفاوضات بين الطرفين.

9- العمل على تأسيس مصنع للسلحة، لسد احتياج البلدين، والمباشرة في تنفيذ ذلك بعد التوقيع على المعاهدة.

10- تخصيص مبالغ معينة يتفق عليها سنويا لتنفيذ ما جاء في المادة التاسعة وكذلك ما تقتضيه الانشاءات العمومية المهمة، واقترح ان تحتفظ كل دولة من جانبها بما يقرر عليها من المبالغ لحين وقت اللزوم، والتفاهم بينهما لتأمين ما يمكن تنفيذه من المشاريع المختلفة كمد السكك الحديدية او الاسلاك البرقية.

11- واتفق ان يكون امد المعاهدة عشرين عاما، يمكن تعديل او تبديل او طي بعض موادها وفق ما تقتضيه مصلحة الطرفين، وكل تعديل يقره الطرفان له حكم المعاهدة ويمكن تجديد مدة المعاهدة كما هي او تبديل ما يتفق عليه عند انتهاء مدتها المقررة.

نقل يني هذه النقاط مع رسالة الإمام الى الملك حسين، ورسالة اخرى من الريحاني الى الملك، اوضح فيها اهتمام الامام بالمشروع رغم محدودية خطواته، مهيبا بالحسين للموافقة على المشروع بما يعوزه من الامور، لصعوبة اتمام مثل هذه المشاريع مرة واحدة.

وقد بعث الامام من جهة اخرى بمبعوثه السيد (محمد زيارة) الى مكة في أيلول 1923، للوقوف على رأي الحسين ـ كما يبدو من المعاهدة المذكورة ـ وتباحث بشأنها مع الحسين الذي راح يغلض القسم للمبعوث بحسن نيته واستعداده وعائلته للتضحية في سبيل اتحاد العرب

انتهى بعدها اقتراحه للنقاط التي يعتقد بأهميتها للاتفاق وتضمنت:
1- قيام اتحاد عسكري بين البلدين يقضي بتعاونهما.
2- إناطة السياسة الخارجية للاتحاد بوزارة الخارجية في الحجاز.
3- عقد اتفاق كمركي وبريدي بين البلدين.
4- تخصيص مبالغ يتفق عليها الطرفان سنويا للانشاءات التي تهم بين البلدين.
5- تعيين أئمة صنعاء بإرادة تصدر من الحسين رئيس الدولة العربية.

والذي يبدو ـ كما ذهب سعيد  ان الحسين اراد ان تكون رئاسة الاتحاد بيده، بينما يدير اليمانيين شؤونهم الداخلية بأنفسهم، على ان يخضع اليمن اسميا للرئيس الأعلى.
لم يوافق الطرفان في الاتفاق على صيغة معينة للتحالف، لتمسكهما كل بوجهة نظره.

اذ ان مقارنة الاقتراحين المقدمين، يوضح اوجه الخلاف الاساسية التي عرقلت هذه المساعي، كالسياسة الخارجية والملكية  التي اراد الحسين التمتع بها في الاتحاد، يضاف الى ذلك ان الانكليز وبحكم مصالحهم في البحر الاحمر لا يسمحون بمثل هذه المشاريع دون توجيههم واشرافهم لها، كما لم يكتب الحظ في استمرارها، إثر مداهمة الوهابيين الاخيرة للحجاز عام 1924.