وصف مدينة السلام (بغداد).. توفير عدة خطوط دفاعية متتابعة تحقق إعاقة المهاجمين وتمكن المدافعين من ضربهم



تم بناء مدينة بغداد على شكل دائرة محيطها ستة عشر ألف ذراع وقطرها 5093 ذراع(2710 متر).

وكان أساسها من الحجر ومبانيها بالطوب بأنواعه واستخدم الطين والبوص والجص للحام المداميك وهي طريقة بابلية قديمة استخدمت في كثير من العمائر في بلاد الجزيرة والعراق.

وكان تخطيط مدينة بغداد يقوم أساساً على توفير عدة خطوط دفاعية متتابعة تحقق إعاقة المهاجمين وتمكن المدافعين من ضربهم فقد كان للمدينة سوران بينهما فضاء: الداخلي منهما أكثر سمكاً وارتفاعاً (35 ذراعاً) ويتدرج سمكه إلى ثلاثة مستويات ذات تخانات مختلفة تبدأ من أسفل بعرض 10 أذرع ثم يقل السمك إلى 8.5 ذراع أعلى السور وكان بهذا السور أبراج عددها 113 برجاً بين كل باب وآخر 28 برجاً  ما عدا الجزء من السور المحصور بين بابي الكوفة والبصرة فعددها 29 برجاً.

وأبواب هذا السور مزودة بسلالم يصعد منها إلى مجلس يعلو كل باب يمكن من خلاله مشاهدة منطقة خارج المدينة ومراقبتها باعتبار ارتفاعه وإشرافه على الساحات خارج المدينة.

كما يوجد أعلى السور ممرات مغطاه بأفنية طولية يتحرك فيها الجند حول المدينة دون أن يراهم أحد للدفاع عن المدينة خاصة عند الغزو.

أما السور الخارجي فهو أصم لا فتحات فيه سوى البوابات الأربعة التي تقع على الجهات الفرعية وهي:
1- باب خراسان بالجهة الشمالية الشرقية.
2- باب دمشق الجهة الشمالية الغربية.
3- باب البصرة بالجهة الجنوبية الشرقية.
4- باب الكوفة بالجهة الجنوبية الغربية.

وتبلغ المسافة بين كل بوابتين 4000 ذراع وكان بهذا السور أربعة مداخل منكسرة (باشورة) Bent Entrance وفيما يلي وصف معماري لأحد مداخل المدينة الأربعة:

يعبر الداخل إلى المدينة قنطرة مفصلية مقامة على الخندق عرضها أربع أمتار ثم يجد بوابة معقودة تؤدي إلى غرفة مستطيلة يغطيها قبو نصف اسطواني مساحتها 20 × 30 ذراعاً وهذه الغرفة جزء من برج بارز عن سور المدينة الخارجي.

ومن داخل الغرفة ينعطف الداخل إلى اليسار بزاوية قائمة ليصل إلى فناء مستطيل مكشوف به بابان جانبيان يفتحان على الفاصل الأول الذي يؤدي إلى المداخل الأخرى للمدينة.

في نهاية هذا الفناء المكشوف يوجد برجان على شكل ربعي دائرة بينهما باب حديدي ينزلق في مجراه إلى أعلى وأسفل هذا الباب هو المدخل الرئيسي للمدينة وهو يفتح على دهليز يغطي بقبو نصف اسطواني أبعاده 12 × 20 ذراعاً وارتفاع سقفه 23 ذراعاً عن أرضية المدخل.

وفي نهايته يوجد سلمان يؤديان إلى الطابق العلوي حيث يقع قاعة المجلس الذي يعلو الدهليز المبني والقاعة عبارة عن غرفة مربعة مساحتها 12 ذراعاً مربعاً تغطيها قبة محمولة على حنايا ركنية مفردة (محاريب) وهي طريقة مأخوذة عن الساسانيين.

وكان الخليفة المنصور يجلس في هذه القاعة لمشاهدة المناظر المحيطة بكل مدخل كما كان يراقب الوافدين من جميع الجهات من خراسان والشام والبصرة والكوفة ويؤدي الدهليز السفلي إلى فناء آخر مربع المساحة مكشوف يكتنفه حجرتان مستطيلتان يغطي كل منهما قبو نصف أسطواني بكل حجرة باب يؤدي على الفاصل الثاني للمدينة.

ثم يؤدي الفناء المربع إلى منطقة الطاقات الكبرى وهي عبارة عن 53 عقداً تحمل بينها 54 قبو نصف أسطواني – وطريقة التسقيف هذه أخذها المسلمون أيضاً عن العمارة الساسانية – وتكتنف الطاقات الكبرى عن الجانبين مجموعة من الحجرات تبلغ عددها 108 غرفة متقابلة على جانبي ممر طويل منها مائة غرفة للجند في كل غرفة 10 جنود وثماني غرف للضباط.

ويلاحظ أن الحجرة الأولى من يسار الممر الطويل بها بقايا ردم مائل يستخدم كطريق صاعد يسهل عملية انتقال الجند إلى أعلى السور في حالة الهجوم على المدينة. وينتهي ممر الطاقات الكبرى بباب يفتح على مربع يكتنفه حجرتان مستطيلتان يغطي كل منهما قبو نصف أسطواني ويفتحان على الفاصل الثالث لسور المدينة.

وبنهاية هذا الفناء باب يفتح على الدائرة الوسطى أو المدينة يحيط بها سور دائري به تجويفات زخرفية معقودة تعرف بالطاقات الصغرى وفي قلب المدينة شيد المنصور قصره الذي كان يعرف باسم قصر الذهب أو قصر باب الذهب.

وتبلغ مساحة القصر 400 ذراع مربع وكان يعلوه قبة خضراء ارتفاعها 20 ذراعاً وفي أعلى القبة غرفة علوية عبارة عن قاعة مربعة يغطيها قبة دائرية وكل من القبتين محمول على محاريب ركنية وتفتح القبة السفلى على أربعة إيوانات ويعلو القبة العلوية تمثال الفارس ممتطياً جواده بيده حربة يقال أنه كان يتجه نحو الجهة التي يخرج منها ثائر.

ولو كان ذلك صحيحاً لما خلا وقت من خروج ثائر إذ أنه لابد أن يشير إلى جهة من الجهات. وقد سقطت هذه القبة (329هـ - 941م).
وشيد بجوار الحائط الشمالي للقصر المسجد الجامع، وأقيم حوله أي القصر قصور الأمراء والدواوين.

أما المناطق السكنية فكانت تقع في الأربع مساحات المحصورة بين المداخل الأربعة الرئيسية، وكان في كل قسم شوارع رئيسية يتراوح عددها بين ثمانية وأثني عشر شارعاً. تتجه نحو قلب المدينة وينتهي كل شارع بباب على محوره.

وقد حفر حول المدينة خندق يحيط بأسوارها بعمق 6 أمتار وارتفاع مثل ذلك كان يملأ بالماء عن طريق قناة تخرج من نهر كرخايا، وكان أمام كل باب من أبواب المدينة الأربعة قنطرة تمكن من عبور هذا الخندق وقت السلم وكانت ترفع في أوقات الحرب ومع رفعها تصبح المدينة معزولة لا يصل إليها أحد.

لم تقتصر المباني على المدينة المدورة فقط بل أقيمت حولها الأحياء والقصور وأمتد العمران عدة أميال على جانبي نهر دجلة، كما أقيمت المطاعم وأماكن الترويج على الضفتين وكان يصل بين الضفتين جسور ثلاثة أقيمت عبر النهر على عوامات مشدودة بعضها إلى بعض ومن الملاحظ أن أسوار بغداد زالت منذ حرب الأمين والمأمون وصارت بغداد كلها مدينة واحدة متصلة المباني.

وقد صحب اتساع مساحتها زيادة ثروتها وتحضرها وازدهارها.
ونتيجة لموقع بغداد القريب من حضارة الفرس واعتماد العباسيين على العنصر الفارسي في دولتهم انتشرت في بغداد التقاليد الفارسية من أعياد واحتفالات وأطعمة وزي ولهو وأصبحت بغداد مركزاً لتصدير هذه التقاليد إلى باقي المدن الإسلامية.

ومع ذلك بقيت بغداد متمسكة بلغتها العربية وعقيدتها الإسلامية وقد أشاد كثير من المؤرخين بموقع بغداد كالمقدسي الذي أشاد بحسن جوها صيفاً وشتاءً، ونولدكه الذي ذكر أن مدينة بغداد أصبحت مدينة عالمية ولم ينافسها سوى مدينة القسطنطينية حيث كانت التالية لها في العواصم الكبرى.

كما رجحت حضارتها بشكل واضح حضارة دولة شارل مان أقوى دولة أوروبية في ذلك الحين، فقد أذهلت هدايا الرشيد حاشية شارل مان خاصة تلك الساعة الدقيقة الصنع التي ظنوها من أعمال السحرة.

وكان بلاط الخليفة العباسي بلاطاً فخماً من حيث العمارة والحاشية والحرس والحريم وكانت قصوره تشتمل على قاعات العرش واستقبال السفراء ودواوين الحكم والإدارة ومجالس العلم والسمر واللهو والمنادمة ودور الحريم وقد أسست تلك القاعات بأفخم الأثاث والرياش: ففرشت أرضها بأثمن أنواع السجاجيد والوسائد وجهزت بالستائر وأضيئت بالثريات والشمعدانات وزخرفت جدرانها بالصور الجميلة أضف لذلك مساكن الحرس والجند ومنازل الموظفين والإسطبلات والمخازن فضلاً عن الحدائق والميادين والملاعب وغيرها.

وكان اتساع هذه المباني يكون ثلث المدينة المدورة، كما صارت بغداد مركزاً تجارياً تأتي إليها السفن المحملة بالمتاجر والقوافل من الأقطار المختلفة وكان لكثير من السلع أسواقاً خاصة وكان طبقة التجار في بغداد تنافس كبار رجال الدولة في الثراء والأخذ بأسباب الرفاهية.

كذلك كانت بغداد مركزاً ثقافياً بالإضافة لمركزها السياسي والتجاري فقد انتشرت منها الثقافة إلى أنحاء الدولة وإلى أوروبا نفسها وأنشئت فياه بيوت الحكمة والمدارس وخزائن الكتب وازدهرت فيها حركة التأليف والترجمة ونشأ فيها أشهر علماء المسلمين.
وقدر عدد سكان بغداد في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي بنحو ثلاثة ملايين نسمة.

ولم تكن بغداد دائماً في سلام بل كان يعتريها أحياناً أحداثاً مثيرة مثل نكبة البرامكة والحرب بين الأمين والمأمون وثورات الجند وعسف الغلمان من الأتراك وأدى بعض هذه الأحداث في وقت ما إلى انتقال الخلافة إلى سامراء غير أن بغداد كانت لا تلبث أن تعود إلى سيرتها الأولى فتستأنف نشاطها وأفراحها.

وظلت بغداد عاصمة للخلافة طوال عصر العباسيين من سنة 145 إلى 656هـ / 762 إلى 1258م وذلك باستثناء فترة انتقال الخلافة إلى سامراء التي امتدت خمسة وخمسـون عاماً (221 : 276هـ / 836: 889م) ما لبثت بعدها أن عادت إلى بغداد.

وبعد زوال الخلافة العباسية ظلت بغداد عاصمة للعراق في مختلف عصوره ولا تزال كذلك حتى اليوم.