تحامل المحدثين على القصيدة القديمة.. ضعف هندسة القصيدة العربية القديمة وخلوها خلوا تاما من الوحدة العضوية



إنّ القول بضعف هندسة القصيدة العربية القديمة، وخلوّها خلواً تاماً من الوحدة العضوية أضحى في حاجة إلى تعديل وتصحيح. ومن العجيب" أنّ أصحاب هذه الأحكام أنفسهم، لا يدركون معنى الوحدة جيداً".

وليس بصحيح ما قاله نزار قباني: "إنّ القصيدة العربية ليس لها مخطط، والشاعر العربي هو صيّاد مصادفات من الطراز الأول، فهو ينتقل من وصف سيفه إلى ثغر حبيبته، ويقفز من سرج حصانه إلى حضن الخليفة بخفة بهلوان، وما دامت القافية مواتية والمنبر مريحاً، فكل موضوع هو موضوعه، وكل ميدان هو فارسه".

ويقول أيضاَ: "إنّ القصيدة التقليدية كما ورثناها بأغراضها المعروفة، وأبياتها الملتصقة صفيّاً كقطع الفسيفساء، هي إلى الزخرف والنقش أقرب منها إلى العمل الأدبي المتماسك الملتحم كقطعة النسيج، كما أن أسلوب بنائها يشبه بناء القلاع في القرون الوسطى...

القصيدة التقليدية لون من (الريبورتاج) السّريع يجمع فية الشاعر كل ما يخطر بباله من شؤون الحب والحياة والموت والسّياسة والحكمة الأخلاق والدّين... القصيدة التقليدية مجموعة أحجار ملونة مرميّة على بساط تستطيع أن تزحزح أي حجر منها إلى أية جهة تريد، ومع ذلك تبقى الأحجار أحجاراً والقصيدة قصيدة.

وإذا كان نزارٌ قد هاجم القصيدة القديمة عامةَ، فإن شوقي ضيف قد شنّ حرباَ عنيفة على القصيدة الجاهلية تحديداً، فرآها "تجمع طائفة من الموضوعات والعواطف لا تظهر بينها صلةٌ ولا رابطة واضحة، وكأنها مجموعة من الخواطر يجمع بينها الوزن والقافية، وتلك هي روابطها، أما بعد ذلك فهي مفككة لأنّ صاحبها لا يطيل المكث عند عاطفة بعينها، أو عند موضوع بعينه... ما أشبه القصيدة عندهم (الجاهليين) بفضائهم الواسع الذي يضمّ أشياء متباعدة لا تتلاصق، فهذا الفضاء الرّحبُ الطليق المترامي من حولهم في غير حدود هو الذي أملى عليهم صورة قصيدتهم فتوالت الموضوعات فيها جنباً إلى جنب بدون نسق ولا نظام ولا محاولة لتوجيه فكري...".

ومن الغريب حقاً أن يكون في المعاصرين من يخلط في هذه القضية، ويحاول أن ينكر حتى وجود وحدة الموضوع في الشعر العربي القديم، يقول محمد مندور: "والناظر في الشعر العربي القديم لا يلْبث أن يلاحظ أنّ وحدة القصيدة العربية لم تكن تتمثل إلاّ في اتحاد الوزن والقافية.

وأما الغرض فقلّما نراه موحداً في القصيدة العربية القديمة... وهكذا تكونت القصيدة العربية ذات الأغراض المتباينة المتتابعة، وأصبحت هذه الظاهرةُ تقليداً شعرياَ ثابتاً عند العرب".

وأما وحدة الموضوع في الشعر العربي القديم فهي واضحة في شعرنا الذي عرفها منذ عهد مبكر عند أمثال الصعاليك، والهذليين في الجاهلية والإسلام وعند غيرهم من أصحاب المراثي التي يطول الحديث عنها لو أردنا الاستقصاء.


0 تعليقات:

إرسال تعليق