التشخيص في الشعر الجاهلي.. إضفاء المشاعر الإنسانية على الناقة. ارتقاء المدارج التي تفصل بين الحيوان والإنسان والوقوف على تخوم النطق الإنساني



التشخيص في الشعر الجاهلي:

التشخيص ظاهرة فنية، ذات شأوٍ رفيع في الشّعر الجاهليّ، اتخذها الشعراء وسيلة تعبيرية مرنة، يرسمون بها لوحاتهم الفنية، ويضمّنونها الأحاسيس والقيم الجمالية التي عنها يصدرون.
والتشخيص أرقى مستويات التصوير في الشّعر الجاهليّ، وعن طريقه تكفّ المادة عن أن تكون جامدة، وتكف الحيوانات عن أن تكون بكماء، وتكف المعاني عن أن تكون ذهنية مجردة خيالية. وإنما تغدو كلها ملأى بالحياة، مترعة بالحركة، وتكتسب خصائص البشر، فإذا بها تحسّ، وتنفعل، وتفكر، وتقف مواقف معيّنة.

تصوير الطبيعة:

لقد ركّز الشّاعر الجاهليّ عدسته الفنية على الطبيعة، فالتقط صوراً مختلفة لحيوانها، من ناقة، وثور، وحمار، وبقرة وحشيّة، وظليم.
وأدرك الشّاعر الجاهليّ أن رسالته ليست مخصوصة بالفكر وحده، وإنما هي رسالة مزدوجة: في الفكر والفن معاً، فأراد أن يُدخل المتعة الفنية إلى قلوب مستمعيه، فقدم لهم - ولنا - نماذج عُليا في الفن، خلع عليها من أحاسيسه، وعواطفه، ومشاعره الإنسانية ، ما أبهر مستمعيه وقُرّاءه، مما جعل تلك اللوحات الفنية خالدةً، استطاعت أن تثبت ديمومتها أمام العصور، فتنبعث مع كل زمان بحقيقة جديدة.

التشخيص في وصف المثقب العبدي لناقته:

ولعل من أبرز الأمثلة التي تصور ما ذهبنا إليه قول المثقب العبدي في ناقته:
إذا ما قُمتُ أرحلها بليلٍ
تأوّهُ آهةَ الرّجل الحزينِ
تقول، إذا درأتُ لها وضيني!
أهذا دينُهُ أبداً وديني؟!
أكُلَّ الدّهرِ حَلٌّ وارتحالٌ؟!
أما يبقي عليّ وما يقيني؟!
وأوّل ما يلفتُ النظر في هذه الأبيات لجوء الشّاعر إلى إضفاء المشاعر الإنسانية على ناقته، وذلك في تأوَهها.
ولا شكّ في أن "تأوّه آهَةً" كلمتان فيهما عمق انفعاليّ ينسجم مع حالة الشّاعر.

الرّجل الحزين:

إن حديث الشّاعر مع الناقة لا يرد كثيراً في الشّعر الجاهليّ، لأن عناية معظم الشعراء كانت منصبة على الناحية الجسدية للناقة. وليس هناك غرابة إذا ما خطر ببال الدارس أن يكون "الرّجل الحزين" هو الشّاعر نفسه، فهو يتأوه في رحلته مع الحياة، كما أنّ الناقة تتأوّه في رحلتها أيضاً.
والشاعر يتعب ناقته، ويجهدها لأنه قلق متعب، فزجّها في مسالك صعبةٍ... ووجد في ناقته خليلاً وأليفاً، يستريح على أنفاسه، فتقاسمه شطراً من العذاب والعتاب، وبذلك يدخل الشّاعر في تلاحم عضوي مع ناقته، بصورة لم نعهدها في شعرنا العربي إلاّ قليلاً ، ويكون المثقب العبدي "قد هدم جدار العجمة العالي بينه وبين ناقته، وقدمها لنا - من غير زيف أو مكر - صديقاً حميماً، ثقّله الحزن والمكروه، وشقّ عليه الصديق، فحار في أمره وأمر سواه، يصبر على باطله، ويدفع حزنه بالعتاب والشكوى بين يديه، فلمستِ القلوب منّا جميعاً، ولاذت بالصّدور".

شكوى الناقة:

ولعلّ هذا ما دفع طه حسين إلى إظهار إعجابه بهذه الأبيات قائلاً: إنّ هذه الأبيات خليقة بأعظم الإعجاب، وهي من أروع ما قال الناس، لا في اللغة العربية وحدها، بل في غيرها من اللغات أيضاً".
ومن الجدير بالذكر أن حديث الناقة مع الشّاعر لم يكن أمراً مألوفاً عند بعض النقاد القدماء، ولذلك وقفوا من هذه القضيّة موقفاً سلبياً، فقد قال ابن طباطبا: "فمن الخطابات المغلقة والإشارات البعيدة قول المثقب في وصف ناقته... فهذه الحكاية كلها عن ناقته من المجاز المباعد للحقيقة، وإنما أراد الشّاعر أن الناقة لو تكلمت لأعربت عن شكواها بمثل هذا القول.

تفاعل الذات الشاعرة مع موضوعها:

إن النظرة الأولى للنصّ تنفي أن يكون هذا الرّأي صائباً، لأن الناقد علق على هذه الأبيات دون أن يربطها بالسّياق العام للقصيدة. ولو عاين القصيدة معاينة كاملة، وانتبه إلى الناحية النفسية لما ذهب إلى مثل هذا الرّأي، "فنحن أمام درجة من درجات تفاعل الذات الشاعرة مع موضوعها، فالشاعر لا يسقط مشاعره على ناقته، ويخلع عليها حزنه العميق من قدره فحسب، بل نحن أمام ذات تحاول أن تعي نفسها من خلال تأملها لموضوعها".

إن تفاعل الشّاعر مع موضوعه هو السبب الرئيس الذي جعله يستنطق الناقة، فهو يتوحّد مع ناقته في لحظات المشقة والكلال والتعب والشكوى من الزمن "أكلّ الدهر حلّ وارتحال"، فكأن الشّاعر والناقة التي يتوحد معها يقفان من الزمن موقف المتذمر، فالزمن يشكل لهما همّا، لأنه لا يمنحهما الراحة والطمأنينة، بل هو ذلك القضاء المقدر عليهما، وبذلك يتساوى الشّاعر مع ناقته بالإحساس أن الحياة فضاء متناهٍ، وأن الإنسان عليه أن يدور في فلك هذا الفضاء حتى النهاية.

ناقة الخطيم التّيميّ:

ولا يقلّ ما قاله سُبَيْع بن الخطيم التّيميّ في ناقته عمّا قاله المثقب، فقد ترك وصفها والحديث عنها عمّا عليها من رحْل أو متاع، ليصوّر لنا أحاسيسه تجاه أحاسيسها، وكأن بينهما مناجاةً حزينةً، فهي تحنّ وتمعن في الحنين، وكأن صدرها مزامير لا تفتأ تزمر، وتصوّت، فيشفق عليها تارة، ويزجرها تارة أخرى، فتستعيض عن الحنين الاجترار والصّريف بأنيابها، لأنها لم تستطع أن تكلمه، ثم تنهال عبراتُها، فيقع في روع الشّاعر أنها ضائقة بزجره إيّاها.

لوحة الحصان وضراوة الحرب:

ويظهر فنّ التشخيص - بشكل جليّ - في لوحة الحصان، الذي شكا إلى عنترة ضراوة الحرب:
ما زلت أرميهم بغُرة نحره
ولبانه حتى تسربل بالدّمِ
فازورّ من وقع القنا بلَبانه
وشكا إليّ بعبرة وتحمحمِ
لو كان يدري: ما المحاورة اشتكى
ولكان لو عَلِمَ الكلامَ مُكلّمي
 فالصورة يبدو فيها عنترةُ يدفع حصانه، ليخترق صفوف الأعداء، الذين كانت رماحهم تنهال على الحصان حتى تمزّق جسدُهُ، واكتسى سِربالاً من الدّم، فالتفت بوجهه إلى عنترة، وكأنما يستعطفه أن ينظر إليه، وشكا إليه بعبرة انحدرت على جبينه ، وزفرات مكتومة من صدره.

حصان بمشاعر إنسانية:

لقد أضفى عنترة على حصانه مشاعر إنسانيةً، فهو يتألم مثلما يتألم الإنسان، ويشكو مثلما يشكو الإنسان، ويستعطف مثلما يستعطف الإنسان، لعلّ ذلك الفارس، ذا القلب الكبير، يرقّ له، فيتراجع إلى الوراء ليخفّف انهيال الرّماح عليه. فدهش لعظمة هذا الحصان الذي خرج من عجمته الحيوانية إلى مخلوق إنساني يمارس كلّ الأفعال التي تسمح له بارتقاء المدارج التي تفصل بين الحيوان والإنسان ويقف على تخوم النطق الإنساني فيشرح معاناته ويشكو حاله المتأزم من غير كلام.

وصف الحيوان:

وهذه القوة الفنية في التصوير امتاز بها الشّعر الجاهليّ، ويستطيع القارئ العزيز أن يجد نظائر كثيرة لهذه الأمثلة التي ضربناها في باب الوصف، وبخاصة وصف الحيوان. وهذا ما يشجعنا على أن ننتهي إلى القول: إنّ الشّاعر الجاهليّ كان فناناً موهوباً، استطاع أن يقدّم لمجتمعه فكراً وفناً، أبدع فيه صوراً حيّة، تتحرك، وتتحدث، فاكتسبتْ تلك الرّوائعُ الفنيةُ الديمومةَ والخلودَ.

استمتاع جمالي:

وكانت تلك النماذجُ خليقةً بأن تجذب الإنسان للاستمتاع الجماليّ بذلك الحيوان، تقرُّ العينُ برؤيته البهيّة، وطلعته الغراء، وتهدأ النفس لتصرفاته وسلوكه، يقول ابن جُزيّ الكلبي: "وإذا نظرت في شأن الفرس، وجدتَ له من قوة الإدراك، وحدّة القلب، وذكاء الذّهن، وصحة المِيَز، وعزة النفس، وكرم الطبع، ما يقصّر عنه كثير من جنس العقلاء، ويعجز عنه كثير من الناطقين الألبّاء...