الاختلاف بين المتعاقدين في لزوم عقد الوديعة بعد انعقاده.. حكم عقد الوديعة أنه عقد جائز من الطرفين في الجملة لأنها نوع من الوكالة



قد ينشأ اختلاف بعد انعقاد عقد الوديعة, هل يلزم المودَع الاستمرار في حفظها أم له فسخ ذلك؟
حكم عقد الوديعة أنه عقد جائز من الطرفين في الجملة؛ لأنها نوع من الوكالة.

فمتى أراد المودِع أخذ وديعته لزم المستودَع ردها؛ لقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها). والوديعة أمانة فهو مأمور بردها.

فإن أراد المستودع ردها على صاحبها لزمه قبولها ؛ لأن المستودع متبرع بإمساكها فلا يلزمه التبرع في المستقبل.

قال في الحاوي: "لا يخلو حال من استودع وديعة من ثلاثة أحوال:

- أحدها: أن يكون ممن يعجز عنها ، ولا يثق بأمانته نفسه فيها، فهذا لا يجوز له أن يقبلها.

- والحال الثانية: أن يكون أميناً عليها قادراً على القيام بها وليس غيره ممن يقوم بها ، فهذا ممن قد تعين عليه قبولها، ولزمه استيداعها، كما تعين الشهادة على الشاهد إذا لم يوجد من يتحملها سواه، وكما يلزم الإنسان خلاص نفس يقدر على إحيائها إذا لم يوجد غيره، لأن حرمة المال كحرمة النفس.

- والحال الثالثة: أن يكون أميناً عليها وقادراً على حفظها، وقد يوجد غيره من الأمناء عليها، فهذا مندوب إليه، وإن لم تجب عليه".

وقال النووي: "قال أصحابنا: لو تعين عليه قبول وديعة فلم يقبلها، وتلفت فهو عاص، ولا ضمان؛ لأنه لم يلتزم الحفظ".

وقال في نهاية المحتاج: "(ولهما) يعني للمالك (الاستردادو) للوديع (الرد كل وقت) من الجانبين، نعم يحرم الرد حيث وجب القبول ويكون خلاف الأولى حيث ندب ولم يرضه المالك".

وقال في تقرير القواعدوتحريرالفوائد: "القاعدة الستون: التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضرراً على أحد المتعاقدين، أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد، لم يجز ولم ينفذ، إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه ، فيجوز على ذلك الوجه".

وقال في المنثور في القواعد: "العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها ضرراً على الآخر امتنع وصارت لازمة".

والحاصل: أن المتعاقدين إذا اختلفا في أصل عقد الوديعة فالأصل أنها عقد جائز لكل من المتعاقدين فسخه، إلا أنه إذا كان هناك ضرر مترتب على فسخها فإنها قد تكون عقداً لازماً إذا لم يمكن إزالته، كما لو كان إذا أخذها ربها غصبت منه أو سرقت فيلزمه تركها عند من يحفظها.

وكما لو كان المودَع يريد ردها في زمن غاب فيه المودِع أو سجن مع قرب زمن إطلاقه ووجوده فيلزمه حفظها إلى أن يوجد.

ومرد تقدير الضرر إلى العرف والعادة وتحديده راجع إلى القاضي.
ومتى قلنا باللزوم فعلى من كـان التفريط أو التعدي من جهته فعليه الضمان.

على أنه ينبغي التنبه إلى أن من لزمه حفظها ابتدائاً إذا لم يلتزم ذلك هو آثم ولكن لا ضمان عليه لأنه لم يلتزم حفظها.