أفكار خاطئة عن المشكلات الاجتماعية.. اهتمام الناس بالمتاعب الذاتية للأفراد يكون أكثر من اهتمامهم بالشؤون العامة للمجتمع



أفكار خاطئة عن المشكلات الاجتماعية:

يختلف أفراد المجتمع في الدراية والمعرفة عن المشكلة الاجتماعية السائدة في المجتمع، ويرجع هذا الاختلاف إلى درجة القرب أو البعد من المشكلة وإلى نوع العلاقة بينهم.

إن جميع المشاكل الاجتماعية يتم إدراكها بدرجة أقل أهمية عند البعيدين عنها اجتماعياً وجغرافياً. لأن المعرفة بها تكون قليلة وبالتالي تفقد الأهمية، كما أن اهتمام الناس بالمتاعب الذاتية للأفراد يكون أكثر من اهتمامهم بالشؤون العامة للمجتمع، ويزداد إدراك الناس للمشكلات الاجتماعية إذا كانت "المشكلات" تمثل حالات مستعصية، أو ذات صيت واسع،  أو تمس جانب من اهتمامات الناس.

معظم الناس لديهم معدل محدود من الدراية والمعرفة حول المشكلات الاجتماعية وغالباً لا تكون منتظمة وأحيانا تسمى متناقضة ومرات تغدو غير صحيحة، والذي يستمع إلى المغالطات الواسعة المتعلقة بالمشكلات الاجتماعية يكتشف أن معظم معرفة الناس حولها سطحية غير متعمقة، الأمر الذي يتطلب عدم الوثوق بها.

الانطباعات الخاطئة عن المشكلات الاجتماعية:

وتتمثل الانطباعات الخاطئة عن المشكلات الاجتماعية في التالي:

1- عدم الاتفاق بين الناس على ما يعتبر مشكلة اجتماعية:

يرجع عدم الاتفاق إلى الفروق في القناعات الشخصية للأفراد فما هو متفق عليه بين بعض الناس على انه يمثل مشكلاً لا يكون هكذا مع جميعهم.

إذا يتفق معظم الناس على أن الفقر والبطالة و أزمة السكن تمثل مشكلات اجتماعية, لكن البعض الآخر لا يراها هكذا بل يجد لها مردودا حسنا للإنسان لأنها تساعده على إدراك حالة البؤس الإنساني. فالأغنياء يرون أن الفقر ضروري للمجتمع لأنه يجعل مالكي المال والثروة في أعلى السلم الاجتماعي.

ويرى البعض الأخر أن وجود العاطلين عن العمل ضروري للعاملين لكي يزيدوا من اندفاعهم للعمل وحرصهم عليه وإخلاصهم فيه.
وهناك من يرى المشكلة العرقية بين السود و البيض تمثل مشكلة اجتماعية بينما لا يراها البعض الآخر هكذا لأنها تضع الأعراق في المكانات التي تليق بها.

2- اعتبار المشكلات الاجتماعية شيئاً طبيعياً وأمراً لا يمكن تجنبه:

البعض ينظر إلى المشكلات الاجتماعية على أنها حالات طبيعية محتومة يتعذر اجتنابها، وفي الواقع لا توجد هناك مشكلة محتومة ومتعذر اجتنابها إنما هناك ظروف معينة تعمل على إنتاج أو طرح أو إفراز ناتج لا محال لا يمكن اجتنابه أو منع وقوعه. أي أن المشكلة ناتجة عن القانون الطبيعي ويمتلك الحتمية الأكيدة.

3- المشكلات الاجتماعية ما هي سوى حالة شاذة وغير عادية:

البعض من علماء الاجتماع ينظر إلى المشكلات الاجتماعية على أنها حالات غير طبيعية لأنها أحدثت كسر للنظام الاجتماعي أو اختراق أو انحراف عن السلوك الاجتماعي السوي السائد بين الناس، ويرى أصحاب هذا الرأي أن المجتمع يسير حسب قوانين موضوعة ومتفق عليها في المجتمع ويعد الخروج على هذه القوانين هو الشذوذ ويتطلب الحل التصدي لهؤلاء الخارجين وبالتالي يتم القضاء على المشكلة ، هذا التحديد أو هذه الرؤية تنطبق على بعض المشكلات مثل الإدمان على المخدرات أو بعض الجرائم.. ولكن في الواقع قد تحدث المشكلة بسبب من السلوك السوي وليس عن اختراق القوانين أو الخطأ.

4- تتسبب المشكلة الاجتماعية من قبل الأشرار و السيئين من الناس:

هذه أوسع مغالطه على الإطلاق , إذ أحيانا يحلل بعض الناس المشكلات الاجتماعية تحت مضمون الثنائية المتبادلة أو المتقابلة مثل طيب وسيئ أو مقارنة الأشرار مع الأخيار . وفي الواقع قد يكون الناس السيئون هم ضحايا لأخطاء يرتكبها غيرهم من الناس البريئون، إن معظم المشكلات قد تصدر عن الناس الأخيار وبالذات عند الذين يتمتعون بعقلية تجارية أكثر من الأشرار.

5- المشكلات الاجتماعية توجد بسبب كثرة الحديث عنها:

إن الحديث عن وجود مشكلة اجتماعية بين الناس كالفقر و البطالة و الجريمة أو هروب التلاميذ من المدرسة يعمل على إثارة مشاعرهم وهواجسهم وخيالهم ويوسع حجمها أو يبالغ في خطورتها بحيث تصور و كأنها معضلة مستعصية الحل تعيش في أحشاء المجتمع يفهمها السامع بأن المسئولين في المؤسسات الإصلاحية و العقابية غير قادرين على السيطرة عليها أو معالجتها.

إذ أن تضخيم المشكل بين عامة الناس يعمل على إقلاقهم وعدم ارتياحهم فيصبح هذا التضخيم مشكلة اكبر من حجمها و آثارها تتعسر على المصلحين معالجتها بيسر وسهولة، هذا الرأي خاطئ لأن كتم المشاكل وعدم الكتابة عنها لا يحل المشكلة وإنما يزيد من تفاقمها وتزداد حدتها.

6- المشكلات الاجتماعية سوف تحل نفسها بنفسها:

يعتقد الكثير من الناس بأنه مع مرور الزمن وتواتر الأحداث وخضوع المجتمع لقانون التغير والتطور، فان المشاكل القائمة تكون في طريقها إلى الزوال وهذه رؤية غير واقعية إن لم تكن وهمية، لأن العمل والمثابرة من القيم الإسلامية التي أوصى الله عباده امتثالاً لقوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" والتغيير يتم من خلال الجهود المثابرة والكفاح في مواجهة المشكلات التي تعيق تطور ونمو المجتمع.

7- أماني الناس:

البعض من الناس لا يرغب في رؤية المشكلة محلولة وذلك  إما لكون حلها يعود بتأثير سلبي عليهم، أو أن حلها يتعارض مع معاييرهم وقيمهم، أو لكون معالجتها مكلفة لهم.

مثال: كأن يدفعوا ضرائب إضافية أو باهظة فتصبح إزالة المشكلة مؤثرة على نفوذهم وسلطتهم، لذا فإن بقاءها قائمة -في نظر هؤلاء الناس - داخل المجتمع يعزز نفوذهم ويزيد من تأثيرهم الاجتماعي ويقلل من خسارتهم المادية.

8- عندما تصبح المشكلة حقيقية تكون محلولة:

من المعروف أن دراسة المشكلة تتطلب الحصول على الحقائق المتعلقة بها، وإن معرفة هذه الحقائق أمر مهم جداً ولكن الأهم من ذلك هو معرفة كيف نستطيع التحقق منها بواسطة التعرف على أبعادها وعناصرها. ويصبح للحقيقة معنى إذا استندت إلى قيم الإنسان، وعندما يكون للناس قيم مختلفة فإن وجود الحقيقة لا يستطيع حل عدم اتفاقهم. والحقائق التي يتم الحصول عليها تحتاج إلى تفسير وترجمة في صورة خطط علمية، تتطلب الكثير من الجهد والمال وأحيانا تغيير اتجاهات كثير من الناس.

9- يمكن معالجة المشكلات الاجتماعية بعيدا عن تغير المؤسسات الرسمية:

يعتقد البعض بأنه يمكن معالجة المشكلة الاجتماعية دون دفع تكاليف معالجتها - ماديا أو معنويا - وهذا الاعتقاد بعيد عن الواقع لأن معالجة أية مشكلة يتطلب تغيرا سريعا وجادا في المؤسسات و ممارستها الوظيفية.
 
ومن الخطأ التوقع من قبل المرء بأن المشكلات سوف تحل بسهولة ويسر, ولكون المؤسسات تتغير ببطء فإنها لا تستطيع معالجة المشاكل بسرعة بل ببطء أيضا، وهذا يعني أننا لا نستطيع القضاء التام على (الفقر و البطالة و الجريمة) إنما يمكننا وضع برنامج متطور لتقليل حجمها وتأثيرها الاجتماعي، وفي نفس الوقت لا يمكن القضاء أو إقصاء (الأمراض العصبية و العقلية) من المجتمع إنما بإمكاننا تطوير وسائل علاجها في المستشفيات المتخصصة بها.