مراحل الهجرة اللبنانية إلى إفريقيا.. التركز العائلى والطائفي والمناطقي للمهاجرين. نشاط عمليات تهريب البشر على متن سفن الشحن



يمكن تقسيم هجرة اللبنانيين في العصر الحديث (تحديدا منذ منتصف القرن التاسع عشر) إلى عدة مراحل أساسية:

- المرحلة الأولى:
ابتدأت مع أواسط القرن التاسع عشر وانتهت مع نهاية الحرب العالمية الأولى، واتسمت الهجرة في هذه المرحلة بالفردية ثم أخذت فى النمو بصورة متزايدة.

وقد غلب عليها فى البداية عنصر الشباب الذكور، سواء الذين لم يسبق لهم الزواج، أو الذين لم ترافقهم أسرهم نتيجة انتشار البطالة أو تردي الأوضاع الاقتصادية فى متصرفية لبنان الخاضعة أنذاك للدولة العثمانية، ولرغبة الكثير من هؤلاء الشباب فى الهروب من التجنيد الإجباري (لمدة ست سنوات)، والذى كانت تفرضه السلطات العثمانية فى ذلك الوقت.

فقد شكل عنصر الشباب نسبة كبيرة في موجات الهجرة العربية الأولى إلى إفريقيا وغيرها من بقاع الأرض وإن لوحظ أن معظم المهاجرين في تلك المرحلة اتجهوا نحو بلدان أميركا الشمالية وأمريكا اللاتينية.

ومن المهاجرين من اختار الهجرة إلى الدول والأقاليم القريبة من ذلك ما عرف في ذلك الوقت بهجرة الشوام إلى مصر.

وقد تميزت الهجرة اللبنانية إلى مصر بسمة التركز العائلى والطائفي والمناطقي للمهاجرين حيث تجمع الوافدون أبناء العائلة الواحدة أو الطائفة أو المنطقة في أحياء خاصة حافظوا فيها على علاقاتهم الاجتماعية والثقافية واستقر معظم المهاجرين في نقاط جذب حيوية هى القاهرة والأسكندرية ودمياط ومدن قناة السويس.

وقد تمكن اللبنانيون بفضل جهدهم ونتيجة مناخ الحرية والاستثمار المواتي في مصر من تكوين ثروات طائلة بلغت عام 1907م الثروة القومية المصرية حيث كان لهم النشاط الثقافي والتجاري والصناعي كما كان لنشاطهم الإعلامي الدور البارز في خلق الرأي العام وتوجيهه للقضايا القومية والوطنية ومازالت الصحف المصرية كالأهرام والأخبار وروز اليوسف تتزين بأسمائهم.

ونشطت خلال هذه المرحلة من مراحل الهجرة عمليات تهريب البشر على متن سفن الشحن لقاء مبالغ من المال في ظروف صعبة نتج عنها اختفاء العديد من المسافرين وانقطاع أخبارهم.

وقد أوجدت الهجرة الأولى مايعرف بالمنحدرين من أصل لبناني ومعظمهم تجذر في مغتربه وأسس عائلات حمل كثير من أفرادها جنسية هذه المغتربات لاسيما غير الإفريقية جنوب الصحراء.

وانخرطوا في مجتمعاتها على الرغم  مما سلف بيانه من أن معظم أبناء هذه المرحلة لم يكن بخلدهم الاستقرار الدائم بدول المهجر.

- المرحلة الثانية:
وهى تمتد بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، ويمكن اعتبارها هجرات متلاحقة شجعتها سلطات الانتداب الفرنسى خاصة نحو مستعمراتها في قارة إفريقيا، وقد حافظت هذه الفئة على جنسيتها اللبنانية، ساعد على ذلك قرب المسافات وتطور قطاع النقل والاتصالات، وكذلك عدم وجود دول إفريقية مستقلة فى ذلك الحين.

- المرحلة الثالثة:
وتمتد من تاريخ الحرب العالمية الثانية وحتى بداية الحرب اللبنانية (1945- 1975)، وتشكل هذه المرحلة نقطة بارزة فى تاريخ الهجرة اللبنانية حيث انطلق تيار جديد للهجرة باتجاه إفريقيا، وإن كان التيار الرئيسى للهجرة قد اتجه إلى غيرها من دول العالم حيث تشير إحدى الدراسات الحديثة إلى أنه، منذ عام 1975م، هناك نحو 46 فى المائة من الأسر لها فرد مهاجر على الأقل.

وتتوزع الهجرة على: البلاد العربية (20 فى المائة)، أوروبا (25 فى المائة) أمريكا الشمالية (29 في المائة)، استراليا (13 فى المائة)، إفريقيا (6 في المائة).

ومما يلاحظ على تيار الهجرة فى هذه المرحلة أنه قد ترافق معه تغيير نوعي في المستوى الثقافي للمهاجرين، حيث تزايدت نسبة المهنيين والفنيين والعناصر المتعلمة تعليما عاليا والمدربة بين المهاجرين، وهو الأمر الذى سيمثل السمة الرئيسية للهجرة اللبنانية فى المراحل التالية, على خلاف الحال فى المراحل السابقة.

- المرحلة الرابعة:
وتمتد من بدء الحرب اللبنانية وحتى نهايتها(1975- 199)، وقد وصل عدد المهاجرين 000ر800 فى هذه المرحلة بصفة عامة. تشير الإحصاءات إلى أن نسبة قليلة فقط منهم قد اتجهت إلى إفريقيا وكانت النسبة الغالبة تتجه إلى دول الخليج العربي بفعل الاكتشافات البترولية فى تلك البلدان آنذاك.

- المرحلة الخامسة:
وتبدأ مع انتهاء الحرب الأهلية حيث شهدت هذه المرحلة ملامح استقرار سياسي واقتصادي في الساحة اللبنانية، إلا أن النقص فى فرص العمل دفع بالكثير من الشباب من أصحاب الكفاءات إلى البحث عن أفق للرزق أرحب في المهجر.