الشاعر الجاهلي محور الانتماء القبلي.. الشاعر لسان القبيلة المنافح عنها والسيف المسلط على أعدائها وهو صوتها الأبعد تأثيرا في حالتي السلم والحرب



لا تنقل لنا الأخبار أن نبوغ شاعر إسلامي، أو عباسي، أو أندلسي، كان يثير صدى جماعيا، كالذي كان يثيره نبوغ شاعر جاهلي.

ونحن إذ نقف بإزاء نص ابن رشيق الذي يقول فيه: "كانت القبائل من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس. ويتباشر الرجال، والولدان، لأنه حماية لأعراضهم، وذبّ عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم.. وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج".

وإذا ما دققنا في طبيعة بواعث التهنئة الثلاثة المذكورة فيه، أدركنا حقيقة خفية، وهي أنها جميعا تشترك في قدرتها على منح القبيلة عنصر القوة والمنعة، فالغلام فارس المستقبل، والفرس أداة النصر، والشاعر لسان القبيلة المنافح عنها، والسيف المسلط على أعدائها، وهو صوتها الأبعد تأثيرا في حالتي السلم والحرب.

ولم تكن منزلة الشاعر في قبيلته تقل عن منزلة الفارس فيها، فقد كان كلاهما ضروريا لها، فكلاهما جندي عامل في جيشها، يشارك في الهجوم والدفاع.. ومن هنا كان من أرفع ألقاب التمجيد، وأسمى أوسمة الشرف التي يضفيها المجتمع الجاهلي على أحد أفراده أن ينعته بأنه شاعر فارس.

وليس من المجدي هنا إعادة القول في حقائق تاريخية معروفة، فكتب التاريخ، وتأريخ الأدب، تكاد تجمع على تقرير حقيقة قيام الوحدات الاجتماعية في الحياة البدوية على أساس من رابطة الدم التي تبلرت في صيغة النظام القبلي الصارم الذي تلغى فيه شخصية الفرد، فلا تتجسد فيه " الأنا "إلا من خلال النحن" ولا يكون لجهد الشاعر في إطاره إلا أن ينصب في مجرى الحدث القبلي، وينغمر فيه انغمارا، لا يتمخض إلا عن منطق سجله دريد بن الصمة، بقوله:
وما أنا إلا من غزية إن غوت -- غويت وإن ترشد غزية أرشد

وما دام الأمر قائما على هذا النمط من الذوبان في القبيلة، فحسبنا أن ندرك أن فعالية الشعر ظلت تصب في هذا الاتجاه القبلي بتلقائية مدهشة، كان باعثها الأساسي هو القيم التربوية التي تلقاها الشعراء قانون حياة، قبل أن يصبحوا شعراء، فلما مارسوا الشعر لم يجدوا مسوغا للانفلات من قيدها الذي غدا بفعل طول الألفة سر وجودهم الإنساني.