وساطة المستر (جون فلبي) الحجازيين والنجديين.. إرسال وفد من أعيان جدة الى مكة للتفاوض مع ابن سعود بشأن الصلح



عمد كل من فلبي وأمين الريحاني وطالب النقيب الى التدخل بصفة شخصية لإنهاء النزاع. وكان في بداية الذين وفدوا الى جدة لهذا الغرض المستر فلبي، بعد ان عرض هذه الرغبة على الدكتور ناجي الاصيل ممثل الحجاز في لندن، بوصفه صديقا لكل من علي عبد العزيز بن سعود خصوصا بعد ترك الحسين للحجاز، فكان من الطبيعي ان يبدي الملك علي ـ ولصعوبة موقفه ـ ارتياحه لهذه البادرة واستقبل فلبي في 28 تشرين الأول 1924 استقبالا حارا.

اتصل فلبي بعد وصوله جدة بكل من خالد بن لؤي في مكة و عبد العزيز بن سعود الذي كان في طريقه اليها مقترحا عليهما الاجتماع بأي منهما وفي أي وقت يختارانه وقد رد خالد على فلبي، بعد ان بعث برسالة الاخير لابن سعود ـ مؤكدا اخراج علي من جدة، مع رسائل طلب من فلبي تسليمها الى القناصل الاجانب، حملها نفس المضمون ونصيحته بعزل رعاياهم جانبا .

اما عبد العزيز بن سعود فلم يختلف عن موقف ابن لؤي واصر في رسالة للملك علي في 17 تشرين الثاني 1924 على خروجه من الحجاز نهائيا. فيما اكد عبد العزيز بن سعود هذا الموقف في رسالته الجوابية الى فلبي في 1 كانون الأول 1924، وان "الموضوع من اوله الى آخره متوقف على رأي العالم الاسلامي، والذي يقف معارضا معارضة قوية لابناء الحسين".

ومع انه أمل فلبي بلقائه لتبادل الرأي، بعد وصوله الى مكة، فإنه ثبت موقفه المذكور مجددا في رسالة ثانية بعثها الى فلبي، بعد وصوله مكة، اعرب فيها عن استحالة مناقشة قضية الحجاز، واصراره على اخراج علي من البلاد وتقرير مصيرها من قبل العالم الإسلامي.

والظاهر ان فلبي لم يكن راغبا في اقحام نفسه كليا في النزاع او احراج صديقه عبد العزيز إبن سعود، فرد على الاخير بالصيغة التي تتناسب ومدى تحمسه للتوسط في حل النزاع.

فهدفه من زيارة جدة ـ كما رد على عبد العزيز بن سعود ـ انما كانت لبحث بعض القضايا الاقتصادية التي سبق ان بحثها مع عبد اللطيف المنديل وكيل السلطان في البصرة والمتضمنة احتمال منح امتياز للتنقيب عن البترول في الاحساء، وبعد ان ابدى رغبته في الاجتماع بعبد العزيز بن سعود، اكد رغبته ايضا في عدم اقحام نفسه في قضايا هي من شؤون المسلمين وإن كان هدفه ـ على ما ادعى ـ هو خدمة العرب بأقصى ما يستطيع من قوة .

ومع ذلك فقد اقترح فلبي في الاجتماع الذي عقده الملك علي مع مستشاريه وبحضور كل من طالب النقيب وامين الريحاني ، ان يجتمع النقيب بابن سعود فلعل في ذلك ما يلطف الجو ان لم يؤد الى اقناع عبد العزيز بن سعود بالتفاوض قبل استئناف القتال، لكن الاجتماع انتهى ولم يسفر عن نتيجة ما.

وعلى اية حال فإن المستر فلبي، وبعد تفاقم الوضع المتردي لمدينة جدة،عزم على تركها، واعرب لصديقه عبد العزيز بن سعود عن امله الاجتماع به في وقت آخر عندما يكون اقل عملا، وذلك في رده على رسالة تسلمها من الاخير قبيل سفره.

وكان آخر اقتراح تقدم به فلبي قبل السفر إرسال وفد من اعيان جدة الى مكة للتفاوض مع ابن سعود بشأن الصلح، على ان يمنح الوفد الصلاحيات الكافية لعقد هذا الصلح وعلى ان يترك اتخاذ أي خطوة بشان السياسة التي يجب اتباعها لحين عودة الوفد وفي ضوء نتائج مهمته، وقد أبًّدَ هذا الاقتراح السيد محمد الطويل وعين. الوفد الذي يتولى هذه المهمة، وارتأى منحه الصلاحيات الكافية لعقد الصلح شريطه بقاء علي ملكا.

لم تكن هذه الاقتراحات ذات جدوى، اذ اخذ الوهابيون يشددون من خناقهم لجدة، فيما ترك فلبي المدينة في 3 كانون الثاني 1925 في طريقه الى عدن ثم لندن، عاد بعدها في خريف نفس السنة بصفة رجل أعمال، ولم يمانع في عرض توسطه من جديد للملك علي الذي كان يتشبث بأي وسيلة لانقاذ عرشه والتخلص من هذه الاوضاع اصبح تحقيقها متوقفا على معجزة  وتمكن فلبي من الاجتماع بابن سعود، دون ان يأتي ذلك بنتيجة ما.

فقد كان الاخير يستعد بقواته للوثوب على المدينة وفتحها بعد استكماله لفتح اكثر المدن الحجازية، وهو مصمم على دخول جدة بأسرع وقت ممكن كما اعرب بذلك لفلبي نفسه. فما كان من فلبي الا السفر الى بور سودان لينتظر نهاية المدينة، ولم يكلف نفسه نقل الاخبار السيئة بشأن المصير المحتوم.