الارتجال الجماعي للمتفرجين في مسرحية "عجبا إنهـم يتفرجون" لوليـد إخلاصي.. ترجمة لفوضى مسرحية يراد وضع نظام بديل لها



إن مسرحية "عجبا إنهم يتفرجون" تقوم بتقويض منظورات مسرحية ذاتية قصد بناء منظور شمولي بديل يقوم على مبادئ واضحة.
بعبارة أخرى، إن الارتجال الجماعي للمتفرجين هو ترجمة لفوضى مسرحية يراد وضع نظام بديل لها.

وكأننا بوليد إخلاصي قد استوحى مقولة المخرج المسرحي الفرنسي لويس جوفي Louis Jouvet التي مفادها "أن كل نظام مسرحي لا يتأسس إلا بفوضى كبيرة".

فالنظام البديل في مسرحية "عجبا إنهم يتفرجون" هو الذي تعكسه خطابات رجل المسرح الذي يبدو واعيا بالأسس الثقافية لفن المسرح، حيث يرى أن المسرح هو الحوار، وأن الحوار هو الديمقراطية.

هذا التحديد الذي يجد مرجعيته في السياق اليوناني، له ما يوازيه على مستوى القواعد المسرحية التي ينادي بها رجل المسرح، والتي تعكس تشبعه بالشعرية الأرسطية.

فهو يؤمن أن المسرح فعل ومحاكاة للواقع وأمثلة Idéalisation له أيضا.
وللوقوف عن كثب على هذا التصور، لابأس أن نستحضر مواقف رجل المسرح وهو يناقش تصورات المتفرجين واقتراحاتهم.

ففي سياق تعليقه على المتفرج الرابع الذي أكد على ضرورة مواجهة الحقيقة بشجاعة، يقول:
"رجل المسرح: هذا قول لا أخالفك فيه الرأي، ولكن الجمهور هنا جاء ليرى فعلا ما، حقائق تمثلها أفعال مسرحية.
حدث وحوار، أشخاص تتصارع من أجل انتصار قيمة ما أو كشف حقيقة غائبة".

إن هذا التعليق يستقطب كل المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها الشعرية الأرسطية.
فالمسرح فعل، والفعل المسرحي يقوم على المحاكاة، ومن خلال هذه المحاكاة يتشكل حدث وحوار، والقاعدة الأساسية لكل ذلك هي الصراع الدرامي بين الشخصيات.

وفي نفس السياق، يؤكد رجل المسرح للمتفرج الرابع:
"رجل المسرح: ...نريد حدثا مسرحيا ونريد رؤية جديدة، نتطلع إلى فن يستخلص من الواقع قوانين ومثلا.
نريد أن نضع سويا الفكرة خطوة خطوة".

إن مسألة استخلاص القوانين والمثل من الواقع تحيلنا إلى مفهوم أساسي في الشعرية الأرسطية هو مفهوم "الأمثلة".
يشير جان جاك روبين إلى "أن العمل الفني يعرض نموذجه إما بأمثلته، أو محاكاته بشكل متطابق، أو تحريفه.
والصيغة الخاصة بالتراجيديا، بالنسبة لأرسطو، ينبغي أن تكون هي الأمثلة.
فالبطل يجب أن يعرض خارج الحياة اليومية للمتفرج".

وإذا تأملنا ما قاله رجل المسرح سنلاحظ أنه يستوحي هذا التصور.
فهو يتفق مع المتفرج على ضرورة فضح الظواهر الفاسدة في المجتمع، لكنه يرى أن ذلك ينبغي أن يتم بطريقة مسرحية تحاكي الواقع بكيفية تؤمثله ولا تنقله حرفيا.

ولعل هذه الرؤية نفسها هي التي تؤطر علاقة المسرح بالتاريخ في نظر رجل المسرح.

فمن خلال مناقشته لموقف المتفرج الثاني الذي ينظر إلى المسرح باعتباره مسؤولية تاريخية وعليه عرض أمجاد الماضي، يقول:
"رجل المسرح: السؤال هو كيف يمكن للفن أن يوظف الماضي من أجل المستقبل".

فاسترجاع التاريخ في المسرح ليس هدفا في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لإضاءة الحاضر واستشراف المستقبل.
ولتحقيق ذلك، لا مناص من التسلح بوعي فني تحكمه شعرية الاحتمال والضرورة.