متى تمنع واو الحال؟.. مُؤكدةً لمضمون الحملةِ قبلَها. مُضارِعيّةً منفيّةً



حالات امتناع واو الحال من الجملة:

تمتنعُ واوُ الحال من الجملة في سبع مسَائلَ:

1- أن تقعَ بعد عاطفٍ:

كقوله تعالى: {وكم من قريةٍ أهلكناها، فجاءَها بأسُنا بَياتاً، أو هم قائلونَ}.

2- أن تكونَ مُؤكدةً لمضمون الحملةِ قبلَها:

كقولهِ سبحانهُ: {ذلكَ الكتابُ، لا ريبَ فيه}.

3- أن تكونَ ماضِيَّةً بعد "إلاَّ":

فتمتنعُ حينئذٍ من "الواو" و "قدْ" مجتمعينِ، ومُنفردتينِ، وتُربطُ بالضميرِ وحدَهُ، كقوله تعالى: {ما يأتيهم من رسول إلاَّ كانوا بهِ يستهزئونَ}.

ولا عبرةَ بِشُذوذِ من ذهب إلى جواز اقترانها بالواو، تمسُّكاً بقولِ الشاعر:
نِعْمَ امرَءًا هَرِمٌ، لم تَعْرُ نائِبَةٌ -- إِلاَّ وكانَ لِمُرتْاعٍ بها وَزَرا

أو إلى جواز اقترانها بِقَدْ، تمسكاً بقولِ الآخر:
مَتَى يَأْتِ هذا الْمَوْتُ لَمْ يُلْفِ حاجَةً + لِنَفْسِيَ، إلاَّ قَدْ قَضَيْتُ قَضَاءَها
لأنَّ ذلك شاذ مخالفٌ للقاعدةِ، وللكثيرِ المسموعِ في فصيح الكلام، منثورهِ ومنظومه.

4- أن تكون ماضيّةً قبلَ "أو":

كقول الشاعر:
كُنْ لِلخَليلِ نَصيراً، جارَ أوْ عَدَلاَ -- وَلاَ تَشُحَّ علَيْهِ. جادَ أَوْ بَخِلاَ

5- أن تكونَ مُضارعيّةً مُثبَتةً غيرَ مُقترنةٍ بِقدْ وحينئذٍ تُربطُ بالضميرِ وحدَهُ:

كقولهِ تعالى: {ولا تَمنُنْ تَستكثرُ}، ونحو: "جاء خالدٌ يحملُ كتابهُ".
فإن اقترنت بِقدْ، وجبتِ الواوُ معَها، كقولهِ تعالى: {لِمَ تُؤذونني؟ وقد تَعلمونَ أني رسولُ اللهِ إليكم}.
ولا يجوزُ الواوُ وحدَها ولا قَد وحدَها.
بل يجبُ تجريدُها منهما معاً، أو اقترانُها بهما معاً، كما رأيت.

6- أن تكونَ مُضارِعيّةً منفيّةً بِ "ما":

فتمنعُ حينئذٍ من الواو وقد، مُجتمعتينِ ومُنفردتينِ، وتُربَطُ بالضميرِ وحدَهُ كقول الشاعر:
عَهْدْتُكَ ما تَصْبُو، وفيكَ شَبيبةٌ -- فَما لَكَ بَعْدَ الشَّيْبِ صَبًّا مُتَيَّما؟

وقول الآخر:
كأنَّها - يومَ صَدَّتْ ما تُكَلِّمُنا - * ظَبْيٌ بِعُسْفانَ ساجِي الْظَّرْفِ مَطْرُوفُ

وأجاز بعض العلماء اقترانها بالواو، نحو: "حضر خليل وما يركب". وليس ذلك بالمختار عند الجمهور. والذوق اللغوي لا يأباه. قال السيوطي في (همع الهوامع): والمنفيّ بما فيه الوجهان أيضاً، نحو: "جاءَ زيد وما يضحك؛ أو ما يضحك".

7- أن تكونَ مُضارعيّةً مَنفيّةً بِـ "لا":

فتمنع أيضاً من "الواو" و "قَدْ" مُجتمعتينِ ومُنفردتينِ، كقوله تعالى: {وما لَنا لا نُؤمِنُ باللهِ}، وقولهِ: {ما لي لا أرَى الهُدهُدَ} وقولِ الشاعر:
لَوْ أَنَّ قَوْماً - لارْتِفاعِ قَبِيلَةٍ * دَخَلوا السَّماءَ - دَخَلْتُها - لاَ أُحجَبُ

الاقتران بالواو:

وأجاز قوم اقترانها بالواو، لكنه بعيد من الذوق اللغوي، قال ابن الناظم: "وقد يجيء (أي المضارع المنفي بلا) بالضمير والواو".

فإن كانت مَنفيّةً بِلَمْ، جاز أن تُربَطَ بالواوِ والضميرِ معاً، كقولهِ تعالى: {أو قالَ: أُوحِيَّ، إِليَّ ولم يُوحَ إليهِ شيءٌ}، وقولِ النابغة الذبياني الشاعرِ:
سَقَطَ النَّصيفُ ولم تُرِدْ إِسقاطَهُ + فَتَناوَلَتْهُ، وَاتَّقَتْنا بالْيَدِ

الربط بالضمير أو الواو:

وجاز أن تُربَطَ بالضمير وحدَهُ، كقوله تعالى: {فانقلبُوا بِنعمةٍ من اللهِ وفضلٍ لم يُمسسْهُم سُوءٌ}، وقولِ الشاعر:
كأَنَّ فُتاتَ العِهْنِ - في كُلِّ مَنْزِلٍ * نَزَلْنَ بهِ - حَبُّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ

فإن خلت من الضميرِ، وجبَ رَبطُها بالواو، نحو: "جئت ولم تطلُعِ الشمسُ" ولا يجوزُ تركها، ومنه قول الشاعر:
ولَقَدْ خَشِيتُ بِأنْ أَمُوتَ وَلَمْ تَدُرْ + لِلْحَرْبِ دائِرَةٌ عَلى ابنَيْ ضَمْضَمِ

وإن كانت منفيّة بلمّا، فالمختارُ ربطها بالواو على كل حال، كقوله تعالى: {أم حَسِبتُمْ أن تدخُلوا الجنّةَ ولمّا يَعلمِ اللهُ الّذينَ جاهدوا منكم ويَعلَم الصّابرينَ} وقولِ الشاعر:
اشَوْقاً وَلَمَّا يَمضِ لي غَيْرُ لَيْلَةٍ + فَكَيْفَ إِذا خَبَّ الْمَطِيُّ بِنا عَشْرا؟

وقولِ غيره:
إذا كُنْتَ مأْكُولاً، فكُنْ خَيْرَ آكِلِ + وَإِلاَّ فأَدْرِكْنِي وَلَمَّا أُمزَّقِ

وأجاز النحاة ربطها بالضمير وحده، نحو: "رجعت لما أبلغ مرادي". والمختار أن تربط بالواو والضمير معاً، لأنها لم ترد في كلام العرب إلا كذلك.

وإنما جوَّز النحاة ترك الواو معها، قياساً على أختها (لم)، لا سماعاً. والنفس غير مطمئنة إلى هذا القياس، لأنّ الذوق اللغوي يأباه. قال ابن مالك: والمنفي بلما كالمنفي بلم في القياس. إلا أني لم أجده إلا بالواو.