الضرورة الشعرية في الشعر الحر: الخزم.. زيادة في أول البيت لا يعتد بها في التقطيع



 هو زيادة في أول البيت لا يعتد بها في التقطيع[1]، وهذه الزيادة تكون من حرف إلى أربعة أحرف في صدر البيت، ومن حرف أو حرفين في أول العجز، ومثاله قول الشاعر:
وكأن أبانا في أفانين ودقه -- كبير أناس في بجاد مزمَّلِ
فكلمة كأن وزنها (فعولن) وزيدت قبلها واو [2].

والخزم ـ وإنْ عده العروضيون من العلل الجارية مجرى الزحاف في عدم اللزوم ـ فإنه من السائغ عدُّه ضرورة، وذلك لندرة شواهده، ولنبوه عن الذوق، حتى إن بعض المؤلفين في العروض أهملوه جملة ولم يلتفتوا إليه.

وهذه الجزئية من البحث قد استوقفتني كثيرا، وأخذت مني جهدا ووقتا، ذلك أنني وقفت في ديوان التضاريس على مواطن كثيرة جدا حكمت عليها أولا بالكسر، ثم تأملت فإذا هي داخلة في باب الخزم، ثم تأملت فإذا بعضها يمكن أن يعد من قبيل تنوع البحور في القصيدة الواحدة وهذا شيء يأتي الحديث عنه.

ففي قصيدة الصعلوك ـ وهي مبنية في أولها على (فعولن) ـ يقول الثبيتي:
ـ من يقاسمني الجوع والشعر والصعلكة؟
ـ من يقاسمني نشوة التهلكة؟

كيف تُقُطَّع هذه الأبيات؟ هل نقطعها هكذا:
من يقا / سمنل / جوع واشْ / شِعروصْ / صَعْلكهْ
فاعلن    فعِلن     فاعلن         فاعلن       فاعلن

من يقا / سمني / نشوةَتْ / تهلكهْ
فاعلن     فعلن   فاعلن    فاعلن؟

أم نجريها على الخزم فنقول:
من   / يقاس / منلجو / ع وشْشِعْـ / روصْصَعْـ / لكهْ
زيادة   فعولُ    فعولن    فعولن       فعولن      فعو
من / يقاسِ /مني نَشْ / وة تْتَهْـ / لكهْ
زيادة فعولُ   فعولن     فعولن   فعو؟

ولعله أن يتبادر إلى الذهن أن حمْل البيت على ما لا ضرورة فيه أولى، وهذا حسن، ولكن لدينا هنا أمران:

1- وردت مقاطع لا تحتمل إلا الخزم ، مما يشعر بأنه مقصود ، ومن هذه المواضع قوله:
يفيق من الشعر ظهرا..
يـ/ ـتوسد إثفية وحذاءْ
يطوح أقدامه في الهواءْ
ـ من يطارحني قمرا ونساءْ؟ (ص 22)

وقوله:
يو/شك الماء أن يتخثر في رئة النهر:
ـ هذا التراب يمزق وجهي
وهذا النخيل يمد إلي يده.
يو/شك النهر أن يتقيأ أجوبة الماءِ
ـ من قا / ل إن النهار له ضفتان ِ
وأن الرمال لها أوردهْ ( ص 23 ـ 24 ).

فالذي يظهر لي أنه بغير اعتبار ما على يمين الخط المائل (/) خزما لا يستقيم البيت.

2- والأمر الثاني أننا إذا قلنا بالخزم ظلت القصيدة على بحر واحد، ونحن نعلم أن الشاعر الحر ربما داخل بين البحور إلا أن ذلك يكون على مستوى المقاطع، أما أن يدحل سطرا من المتدارك وسط قصيدة كاملة من المتقارب فهذا أمر يبدو غريبا.

وثَمَّ شيء أقوله على حذر، وهو أن شعراء الحداثة قد ولعوا بالإغراب والإتيان بما لا يعرف، فلا يبعد أن الشاعر أكثر من الخزم عمدا لما رآه غريبا مهجورا.

وكان أحد فضلاء زملائنا الذين هم في مقام أساتذتنا يرى أن هذا خلل في الوزن لم يتنبه له الشاعر، ولا داعي لكل هذا (اللف والدوران) ولو كان الشاعر غير الثبيتي لمِلْتُ إلى هذا الرأي.

وعموما فالذي ظهر لي أن الخزم إحدى الضرورات التي ظهرت في الشعر الحر، رغبة في الإغراب، أو غفلة عن سلامة الوزن، ومن المواطن التي أحصيتها في التضاريس : ص 31، 33، 53، 57، 76.. وغير ذلك.

[1] الكافي في العروض والقوافي للتبريزي 143.
[2] أهدى سبيل إلى علمَي الخليل 32.