الوظائف.. جعل القراءة الداخلية للنص نقطة ارتكاز تتمحور حولها (خارجيات) النص



ينتقل الباحث إلى مستوى (الوظائف) فيحلل على ضوئه (ألف ليلة وليلة)، واضعاً في ذهنه أن جميع الدراسات السابقة التي كُتبت حول (ألف ليلة وليلة) بنيت على أساس نظرة تاريخية تكمن في إرجاع قصصها إلى واقعها التاريخي الذي تتمحور حوله علاقة الأثر الأدبي بنفسية كاتبه ومجتمعه وتاريخه.

لكن الباحث لم يرفض تاريخية النص، كما لم يقبل تحديد ماهيته، وإنما اختار موقفاً وسطاً، لا يتخلّى عن علاقة النص بعالمه وتاريخه، ولا يفصل النص عن الأفكار السابقة التي حدّدت بيئته وذاته الظاهرة والباطنة، فسعى إلى استيحاء هذا التاريخ كلما دعت الحاجة، ثم تسخيره بشكل يتماشى مع جعل القراءة الداخلية للنص نقطة ارتكاز تتمحور حولها (خارجيات) النص، من علم نفس، واجتماع، وأفكار... فأخذ بالبنية الداخلية دون اعتبار الوساطات الخارجية.

وسعى إلى الكشف عن الرابط بين كل عنصر من النص ببقية العناصر، من أجل بيان النظام الذي يتحكم بعناصر النص مجتمعة، ومن ثم إعطاء هذا النظام شيئاً من العقلانية تكون بديلاً عن عقلانية الشرح والتفسير المنقرضة بانقراض البحث عن مسبّبات الأشياء وعللها.

ولهذا فهو ينظر إلى النص كمدوّنة قائمة بذاتها، مكتفية بموادها، أو ككيان ملموس قابل للتجزيء إلى نوعين من العناصر: العناصر العامة التي يسميها توماشفسكي (الحوافر المترابطة)، ويسميها رولان بارت (الوظائف الأساسية)، والعناصر الثانوية (أو الإرشادية).

وقد توقف الباحث عند العناصر الأساسية فحسب، وهي الأعمال والوظائف أو الأحداث التي تحدد مسيرة القصة.
ثم رتّب هذه الوظائف في (مقاطع) تضم مجموعة من الوظائف تكوّن كلاً متماسكاً في وحدته المعنوية.

وتحديد هاتين الوظيفتين يساعد على تفكيك نصوص القصص، وعلى تكثيف مضمونها بشكل سلسلة من الجمل القصيرة تمثّل كل واحدة منها (وظيفة).

إن قراءة المدوّنة كنظام تعني أن كل شيء في هذا النظام مترابط، فالعنصر لا وجود له إلا من خلال العلاقات التي يقيمها مع غيره من العناصر، لذلك فإن استخراج القوانين التي تتحكم بالعلاقات التي تقيمها هذه العناصر بعضها مع بعض يعني استخراج البنيات التي يتكوّن منها (النظام) الذي هو كيان قابل للقراءة على عدة مستويات (صوتية، وصرفية، ودلالية).

وهذه المستويات تقيم نوعاً من العلاقات التراتبية، إذ أن كل وحدة تنتمي إلى مستوى ألسني معيّن، وتأخذ معناها من خلال اندماجها في مستوى ألسني أعلى.

وبما أن مسألة (الشكل والمضمون) هي قضية محلولة في النقد البنيوي، فإن الباحث قد تفاداها، وعوّضها بمصطلحات بنيوية اقتبسها من جماعة Mu التي اقتبستها بدورها من هلمسليف Hjelmslev الذي ميّز بين (شكل) التعبير و(مادته) من جهة، و (شكل) المضمون و(مادته) من جهة ثانية.
كما استمد من رولان بارت البنيات والعلاقات والوظائف (وهي الأعمال والأحداث والجمل).

وبما أن (المدوّنة) هي مجموعة من النصوص المختارة والمعدّة للوصف، والتي تظهر ـ عند القراءة ـ كمقطع كلامي محدد، من حيث الطول، ولكنه غير محدّد من حيث المعاني التي يحتويها، فإن الباحث أسقط قراءة المستويات المتعددة للمدوّنة، ووقف أمام مستوى واحد قرأه على ضوء مقياس واحد هو (الوظيفة).

و (الوظيفة) ثابتة دائماً، على الرغم من تعدّد هويات الأشخاص الذين يقومون بها. فالأشخاص تتغير ولكن الأعمال تعبّر عن (وظيفة) واحدة. ولتحديد (الوظيفة) فإن كل شكل سردي هو مجموعة منظمة من الجمل، ذات طبيعة وظيفية.
وهذه الجمل تتجسّد على مستوى القصة بأشكال مختلفة: كالحوار، والمناجاة، والأوصاف، والأعمال...

لذا فإن كل قراءة تتناول القصة لا بد لها من أن تحدّد الفئات التي تتكون منها وحدات القصة أولاً، ثم تسعى إلى تحديد الثابت من هذه الوحدات والمتغيّر منها.
كما هي محاولة بروب التي أدّت إلى التمييز بين الوحدات الثابتة والمتغيّرة.

وكما هي محاولة رولان بارت الذي قدّم اقتراحاً حول تصنيف وحدات القصة يُقابل فيه بين فئتين من الوحدات: الأولى توزيعية (وسمّاها الوظائف الأساسية، وهي تطابق المفهوم ذاته عند بروب) والثانية تكميلية (وسمّاها الوظائف الثانوية أو الإرشادية).

فالوظائف الأساسية عند بارت تعبّر عن الأعمال أما الوظائف الثانوية فتعبّر عن الأوصاف.
والتمييز بين النوعين يسهّل عملية القراءة. والوظائف الأساسية أو الثابتة تشكل المفاصل الأساسية في القصة.

أما الوظائف الثانوية فهي الوظائف التي تملأ الحيّز السردي بين وظيفتين أساسيتين، كأن تصف أعمار الأشخاص، أو طباعهم، أو الأماكن.

فعندما يضع البطل سيجارته على منفضة (الكريستال) فإن نوع المنفضة يعبّر عن مستوى الحياة الغنية التي يعيشها.

ولدى (إحصاء الوظائف) تبين للباحث أن في (ألف ليلة وليلة) إحدى وثلاثين وظيفة، وهي الوظائف التي حدّدها بروب في (مورفولوجيا الحكاية).