الفخـر في ديوان الشاعر حسان بن ثابت.. الافتخار على أقرانه بتفوقه في الموهبة الشعرية



يتجه عند حسّان اتجاهان: أحدهما شخصي، والثاني قَبَلِي.

أما الشخصي: ففيه يفتخر الشاعر بنفسه ويعتز بها، ويبرز فيه تفوقه على أقرانه، وبخاصة في الموهبة الشعرية، وربما نجده يتحدى الشعراء ويفاخرهم بأن يأتوا بمثل ما أتى به، فيقول:
يُعْيِي سِقَاطِي مَنْ يُوَازِنُنِـي -- إِنِّي لَعُمْرُكَ لَسْتُ بِالـهَذْرِ
لاَ أَسْرِقُ الشُّعَرَاءَ مَا نَطَقُوا -- بَلْ لاَ يُوَافِقُ شِعْرُهُمْ شِعْرِي
إِنْ أَبَى لِي ذَلِكُمْ حَسَبِـي -- وَمَقَالَةٌ كَمَقَالِعِ الصَّخْــرِ

وهذا الشعر ليس من إلهامه وحده، بل هناك من يعينه من قوى غير بشرية كالجن والشيطان فيقول:
وَأَخِي مِنَ الجِنِّ البَصِيرِ إِذَا -- حَاكَ الكَلاَمَ بِأَحْسَنِ الحِبـْرِ

ويقول في موضع آخر:
وَلِي صَاحِبٌ مِنْ بَنِي الشَّيْصَبَانِ -- فَطَوْرًا أَقُولُ, وَطَوْرًا هُوَ

ورغم ما قيل عن جبنه وضعفه، إلا أن حسّان بن ثابت يفتخر بشجاعته فيقول:
لِسَانِي وَسَيْفِي صَارِمَانِ كِلاَهُمَا -- وَيَبْلُغُ مَا لاَ يَبْلُغُ السَّيْفُ مِذْوَدِي

كما أنه يفتخر بجوده وكرمه فنسمعه يقول:
وَإِنْ أَكُ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ أَجُدْ  بِه
وَإِنْ يُهْتَصَرْ عُودِي عَلَى الجَهْدِ يُحْمَدِ
وَإِنِّي لَمُعْطٍ مَا وَجَدْتُ وَقَائِلٌ
لِمُوقِدِ نَارِي لَيْلَةَ الرِّيحِ أَوْقـــِدِي
وَإِنِّي لَقَوَّالٌ لِذِي البَثَّ مَرْحَبًا
وَأَهْلاً إِذَا مَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ مَرْصَــدِ
وَإِنِّي لَيَدْعُونِي النَّدَى  فَأُجِيبَهُ
وَأَضْرِبُ بِيضَ العَارِضِ المُتَوَقَِّـــدِ
وَ إِنِّي لَحُلْوٌ تَعْتَرِينِي مَـرَارَةٌ
وَإِنِّي لَتَرَّاكٌ لِمَا لَمْ أُعَـــــوَّد

كما فخر حسّان بنفسه، فخر بنسبه وقبيلته، وتغنى بمآثرها وأمجادها. ولقد غالى حسّان بن ثابت بعصبيته إلى درجة أنه طلَّق زوجته عمرة الأوسية، حين عيرته بأخواله –وهم الخزرج- وفخرت عليه بقومها فقال يجيبها:
سَأَلَتْ حسّان مَنْ أَخْوَالُهُ؟
إِنَّمَا يُسْأَلُ بِالشَّيءِ الغُمــُرْ
قُلْتُ أَخْوَالِي بَنُو كَعْبٍ إَذَا
أَسْلَمَ الأَبْطَالُ عَوَرَاتِ  الدَّبُرْ
رُبَّ خَالٍ لِي لَوْ أَبْصَرْتِـه
سَبْطَ الكَفَّيْنِ فِي اليَوْمِ الخَصِرْ
جَدِّي أَبُو لَيْلَى وَوَالِـدُه
عَمْرُو وَأَخْوَالِي بَنُو كَعْـبْ(1)

ويجمع غرض الفخر في الشعر العربي مجموعة من القيم يتغنى الشعراء بها، لا يكادون يتجاوزونها، وهي الشجاعة والجود وعراقة النسب، وهي عيون المآثر العربية التي ينبغي أن تتوافر لكل قبيلة عربية، ترنو إلى مكانة مرموقة في المجتمع العربي.

وهذه المآثر هي محور التفاخر والتباهي آنذاك، وهي القاموس المشترك التي ينهل منها كل شاعر عربي ,وفي هذا المضمار يذكر حسّان:
أُولَئِكَ قَوْمِي فَإِنْ تَسْأَلِي
كِرَامٌ إَذَا الضَّيْفُ يَوْمًا أَلَمْ
عِظَامُ القُدُورِ لِأَيْسَارِهِم
يَكُبُّونَ فِيهَا المُسِنَّ  السَّنِمْ 
يُوَاسُونَ مَوْلاَهُمْ فِي الغِنَــى
وَيَحْمُونَ جَارَهُمْ إِذَا ظُلــِمْ

ويقول في موضع آخر:
لَعَمْرُكَ مَا المُعْتَرُّ يَأْتِي بِلاَدَنَـا
لِنَمْنَعَهُ بِالضَائِعِ المُتَهَضَّـــم
وَلاَ ضَيْفُنَا عِنْدَ القِرَى بِمُدَفَّع
وَمَا جَارُنَا فِي النَّائِبَاتِ بِمُسَلَّمِ
----------------------

الصارم: السيف القاطع, والمذود: اللسان. ومعناه أن لسانه (شعره) أقطع من سيفه
يهتصر: من الهصر وهو الإمالة والجذب
البث: الهم، من غير مرد: من غير ميعاد
الندى: الجود، أضرب: أسبق، وبيض العارض: مطر السحاب، المتوقد: الساطع
الغمر: الجاهل الذي لم تحنكه التجارب والمراد غير المعروف
سبط الكفين: جواد كريم

(1) أبو ليلى هو النجار واسمه تيم الله وعمرو بن الخزرج الذي ينحدر من بنو النجار وبنو كعب من الخزرج ومنهم بنو ساعدة  الذين تنتمي إليهم أم حسّان و أخواله.

الأيسار: المراد بها الخزرج, المسن, الكبير، والسنم: العظيم السنام
المعتر: الغريب المعترض للمعروف- المتهضم: المهضوم الحقوق