عناوين المقامات.. براعة الاستهلال حسب الموضوعات. مقامة طرز العمامة في التفرقة بين المقامة والقمامة. مقامة قمع المعارض في نصرة ابن الفارض



عناوين المقامات:

تعددت عناوين المقامات وتنوّعت؛ وذلك حسب الموضوعات التي تناولها أصحاب المقامات.
وهذا مما يحسب لهم، لما تمتاز به أعمالهم من "براعة الاستهلال" التي مدحها النقّاد والبلغاء.
وقد أبدع "بديع الزمان الهمذاني" في عناوين مقاماته.

نسبة المقامة إلى مسرحها:

ونجده حينًا ينسب المقامة إلى مسرحها كـ"المقامة المارستانية" التي أجراها بين مجنون و"أبي داود العسكري" كما سبق؛ كما يَنْسِبُ بعض المقامات إلى الموضوعات الأدبية كالشعر والنثر ونقدهما أو سائر العلوم.

نسبة المقامة إلى صاحب المجلس أو بعض الأطعمة:

وحينًا آخر نجده ينسب المقامة إلى صاحب المجلس كـ"المقامة الحمدانية" نسبة إلى "سيف الدولة الحمداني"؛ كما نسب بعض المقامات إلى بعض الأطعمة كـ"المقامة المضيرية" نسبة إلى المضيرة أو "المقامة النهيدية" نسبة إلى النهيدة.

نسبة المقامة إلى زمن معين أو موضوع اجتماعي:

ونجده تارة ينسب المقامة إلى زمن معين من فصول السنة كزمن تمر الأزاذ كـ"المقامة الأزاذية"؛ وتارة أخرى ينسب المقامة إلى الموضوعات الاجتماعية كـ"المقامة القردية" نسبة إلى (قَرَّادٍ يُرْقِصُ قِرْدَهُ، وَيُضْحِكُ مَنْ عِنْدَهُ)؛ أو "المقامة الصيمرية" التي حكى فيها "أبو العنبس الصيمري" تجربته مع إخوانه التجّار وعلاقته معهم في فقره وغناه؛ أو "المقامة الساسانية" نسبة إلى "بني ساسان" الشحّاذين المكدين.

صفات الدينار الحميدة والذميمة:

وقد تبعه من جاء بعده من كتاب المقامات في هذه الخاصية. فنجد "الحريري" يُعَنْوِنُ إحدى مقاماته بـ"المقامة الدينارية" ضمّنها صفات الدينار الحميدة والذميمة، كما سبق.

فـ"المقامة القهقرية" و"الرقطاء" كان موضوع أولاهما في الرسالة التي تقرأ من أولها بوجه، ومن آخرها بوجه، والأخرى كانت على نوعين من الحروف: نوع معجم ونوع غير معجم. ولم تخل مقاماته من النسبة إلى العلوم أيضًا.

سرقة الشعر والمسائل النحوية:

وقد ادعى البطل "أبو زيد السروجي"، بطل مقامات "الحريري"، على ابنه أنه سرق شعره في المقامة التي سماها "الشعرية". 
وأما "المقامة النحوية" فهي التي ألغز فيها بالمسائل النحوية.

أسماء الزهور والعطور:

وأما "السيوطي" فقد نحا منحًى آخر تفرد به في عناوين مقاماته حيث نسب بعضها إلى أسماء الزهور والعطور.

وكانت عناوين بعض مقاماته مثل "مقامة طرز العمامة في التفرقة بين المقامة والقُمامة" و"مقامة قمع المعارض في نصرة ابن الفارض" تحمل سخرية لاذعة تنبئ عن موضوعها الجدلي بينه وبين أقرانه.

تقليد الأندلسيين للمشارقة:

وتجدر الإشارة هنا إلى أنني لم أجد -في حدود علمي- مؤلفات مقامية  مستقلة عند الأندلسيين توازي ما لدى المشارقة، اللهمّ، إلا "المقامات اللزومية" لـ"السرقسطي"، وبعض المقامات التي ألفها "ابن الخطيب" ضمن كتبه.
وبقية المقامات وُجدت في الموسوعات الأدبية الأندلسية كـ"الذخيرة" لـ"ابن بسّام".

وقد جعل "السرقسطي" عناوين لكثير من مقاماته على غرار ما فعله المشارقة، وترك بعضًا منها بدون عناوين.
واللافت للنظر أنه نسب معظم المقامات الْمُعَنْونة إلى أسماء الدواب.

فهل يرمز بذلك إلى شيء معيّن كالنقد الاجتماعي؟! ليس ذلك ببعيد خاصة، إذا عرفنا أن الأوضاع السياسية في المغرب والأندلس لعهده كانت مضطربة غير مستقرّة.

وهذا يؤكّده ما قاله "السرقسطي" على لسان الراوي "السائب بن تمام" حين أقام ببلاد "طنجة" المغربية: (...فَأَقَمْتُ بَيْنَ أَقْوَامٍ كَالأَنْعَامِ، أَوْ كَالنِّعَامِ، وَأُنَاسٍ كَالسِّبَاعِ، أَوِ الضِّبَاعِ، لاَ أَفْقَهُ مَقُولَهُمْ، وَلاَ يُوَافِقُ مَعْقُولِي مَعْقُولَهُمْ، قَدْ فَارَقْتُ الْقَوْمَ زِيًّا وَلَفْظًا، وَلَمْ أَعْدِمْ مِنْهُمْ طَرْدًا وَلاَ لَفْظًا، فَصِرْتُ بَعْدَ نُطْقِي إِلَى الْخَرَسِ، وَقَنِعْتُ مِنَ الصَّهِيلِ بِصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ...).

المقامة السياسية:

وأما "ابن الخطيب" فقد تفرّد بين كتاب المقامات بمقـامتـه السياسية.
وهو أول من صرّح بهذه التسمية، وإن كان بعض الباحثين لا يعير لها أي قيمة، ويرى أنها (...ليست عملاً خالص الأصالة، فهي صورة معدّلة من قسم من كتاب في السياسة منحول إلى "أفلاطون"...).

ومهما يكن من أمر فإن بصمات "ابن الخطيب" واضحة فيها حيث أجرى المقامة بين "الرشيد" وحكيم "فارس"، وقد بين فيها -كما سبق- كل شرائح المجتمع في الأندلس من حاكم ومحكوم.