قراءة العدوان والطغيان من أجل الدفاع عن النفس وحماية الدين ونشره في الأرض



يئن العالم اليوم من قراءة رابعة * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى * (سورة العلق).
يتقوى الإنسان، يحمل شهادات عليا،يخترع أسلحة فتاكة تدمر البشرية، تقوى أمة بأسلحتها، تفرض ثقافتها وإباحيتها على بقية الأمم،لذلك العلم أحياناً يأخذ مساراً خطيراً جداً.

فهل المسلمون بحاجة إلى هذا العلم الرابع؟
نعم بحاجة إلى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} (60) سورة الأنفال.

بحاجة لهذا العلم الرابع لا من أجل العدوان، بل من أجل الدفاع عن النفس وحماية الدين ونشره في الأرض.
وهناك جهاد النفس والهوى،هذا الجهاد الأساسي،هذا التعليم الأساسي،وهناك جهاد دعوي: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) ( سورة الفرقان).

وهناك جهاد بنائي (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)، والحقيقة المؤلمة أنهم أعدوا لنا ولم نعد لهم، لمئتي عام سبقت استفادوا من الاستقرار، والرخاء الاقتصادي، وصنعوا، وتفوقوا، واخترعوا أسلحة سيطروا بها على العالم، وبعدها فرضوا علينا ثقافتهم هذه الصحون ثقافتهم، وإباحيتهم، وتفلتهم.

فالإنسان إذا قوي يستغني عن الله بحمقه، ويغيب عنه أنه في قبضة الله دائماً، هذه الأمم القوية التي استغنت، فطغت، وبغت، من يمثلها؟ يمثلها قوم عاد، هؤلاء القوم مثال للأمم الطاغية التي استخدمت القراءة للعدوان والطغيان، قوم عاد قال الله عنهم إنهم متفوقون في كل المجالات: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ). (سورة الفجر).

تفوقوا في شتى المجالات،وتفوقوا في العمران: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ). (سورة الشعراء).

تفوق حضاري، بنائي، عمراني، تفوق صناعي، تفوق عسكري، وتفوق علمي: (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ). (سورة العنكبوت).

أربع أنواع بالتفوق، (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ)، ومع التفوق الغطرسة والكبر، والاستعلاء والدليل: (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً). (سورة فصلت الآية:15).

تفوق عمراني، صناعي، عسكري، علمي، وغطرسة، (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) وهؤلاء القوم دققوا الآن: ما أهلك الله قوم إلا ذكر أنه أهلك من هو أشد منهم قوة، إلا قوم عاد حينما أهلكهم قال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً). (سورة فصلت الآية:15).
أي ما كان فوق عاد إلا الله، ماذا فعلت عاد؟ قال: طغت في البلاد، ما قال طغت في بلدها، طغت في البلاد، طغيان شمولي.

أحياناً تكون أطماع الدول العظمى لا في بلادها في كل البلاد، يتدخلون بكل بلد، يفرضون إرادتهم على كل شعب.
- (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ). (سورة الفجر). بالقصف والأسلحة المدمرة.
- (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ). (سورة الفجر). بالأفلام، الطغيان بالقصف، والإفساد بالأفلام.
- (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ). (سورة الفجر).

بماذا أهلكهم؟
(بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ). (سورة الفجر).
وقال: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى). (سورة النجم).

ماذا يفهم من كلمة الأولى؟ (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى)، يعني في عاد ثانية.
فنحن نحتاج إلى الرابعة لنكون أقوياء، لنردع، (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ) السلاح من أجل ألا نستخدمه، قد لا نستخدمه أبداً، ولكن نريد سلاحاً قوياً عندنا هذا يجعل الطرف الآخر يهابنا، توجيه قرأني.

لذلك المسلمون لن ينتصروا إلا إذا قدموا لله أسباب النصر،أسباب النصر إيمان بالله يحملك على طاعته، وإيمان باليوم الآخر، يردعك أن تؤذي مخلوقاً، وإعداد العدة المتاحة لا المكافئة، الدليل: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ).

فالعلم قيمة كبيرة جداً: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ). (سورة الزمر الآية:9).
القرآن الكريم اعتمد قيم مرجحة، الناس فيما بينهم يرجح بعضهم بعضاً بالمال أحياناً، هذا غني، أحياناً بالجمال، وسيم، أحياناً بمنصب رفيع، أحياناً بالقوة، أحياناً بالوجاهة، أحياناً بالنسب، اعتمد الناس قيماً عديدة للترجيح فيما بينهم، لكن الله عز وجل في قرآنه الكريم بين دفتيه ما القيم التي اعتمدها؟ اعتمد قيمة العلم،وقيمة العمل، ليس غير.

قيمة العلم في قوله تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
وقيمة العمل: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا). (سورة الأحقاف الآية:19).

وأية أمة تريد أن تنهض ينبغي أن تعتمد قيمتين اثنتين لا ثالث لهما، ينبغي أن يحترم من يطلب العلم،وأن يحترم أيضاً من يعمل.
فقضية العلم قضية واسعة جداً، ولابدّ من أن نعتمده كطريق لنهضتنا وقوتنا.

صلاح الدين الأيوبي رحمه الله حينما واجه أوربا بأكملها واجهها بشباب متعلمين، فلذلك أمضى سنوات طويلة في تأسيس المدارس، وفي الصالحية شارع اسمه المدارس هذا من نتائج عمل صلاح الدين الأيوبي.

فالناس اعتمدوا قيماً عديدة للترجيح فيما بينهم، لكن الله جلّ جلاله في قرآنه الكريم هناك قيمتان للترجيح بين خلقه قيمة العلم،وقيمة العمل.

ونحن في تربية أولادنا حينما نكرم الابن المتفوق، حينما نشجعه، حينما نكافئه، حينما نسأله ماذا تعلمت اليوم؟ هناك أسر كثيرة في لقاء يومي بين الأب والأم والأولاد والحديث اللطيف ماذا تعلمت اليوم في المدرسة؟ ماذا قال لك الأستاذ؟ كم مادة عندك اليوم؟ ماذا فهمت بالفيزياء مثلاً؟

عندما يكون في البيت حوار علمي يغدو العلم ذا قيمة في البيت، أما حوار يومي في الطعام والشراب، والأخبار الطريفة والطرف من دون معالجة موضوعات علمية فالطفل ينصرف عن العلم، وينبغي أن يكرم الطفل إذا تفوق في دراسته، فالتشجيع مهم جداً.

فما من طريق إلى التقدم والنهوض إلا بالعلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل.

وطالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.[1]
والذي نخلص إليه بعد ما تقدم من بحوث هذا الفصل أن:
- الواجب التعليمي، والتوعية الفكرية، والصحة العقلية هي أبرز المسؤوليات في تربية الأولاد العقلية، فإن قصّر الآباء والمربون والمعلمون في القيام بهذه الواجبات، وفرطوا في هاتيك المسؤوليات.. فإن الله سبحانه سيحاسبهم على تقصيرهم، ويسألهم عن نتائج إهمالهم.. فيا خجلهم من الله إذا وقع عليهم الحق وكانوا من المفرّطين.

ويا ويلهم من مشهد يوم عظيم إذا كان جوابهم أمام رب العالمين: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68)} الأحزاب:67-68.

عَنْ أَنَسٍ،عَنِ النَّبِيِّ (ص) قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ،أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ"
وصدق رسول الله (ص) القائل فيما رواه ابن حبان: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه: حَفِظَ أم ضيّع"[2].

اللهم اجعلنا ممّن يطيعون الله ورسوله، وممّن تبيض وجوههم يوم الحساب، وممّن أدّوا مسؤولية أولادهم وأهليهم خير أداء.. إنك خير مأمول، وأكرم مسؤول.

[1]- تربية الأولاد في الإسلام النابلسي - (1 / 94).
[2]- عشرة النساء للإمام للنسائي - الطبعة الثالثة - (1 / 195)278-7932- صحيح.