الإهمال في العلاقة الجنسية بين الزوجين كسبب رئيسي للخلافات الزوجية



ينبغي أن يحرص كلٌ من الزوجين أن يبدو جميلاً في نظر صاحبه، لئلا يتنافرا، وليزداد قرباً وتألفاً، وأعظم طيب: الماء وأعظم تجمل: النظافة، ولقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرجل شعره، ويكثر دَهنَ رأسه وتسريحَ شعره، وأنه كان كثير الاكتحال، وكثير الاستياك وكثير التطيب، لذلك لم يشم من في رسول الله ولا من جسمه رائحة تكره.

وإذا كان المسلم يحب من زوجته أن تتزين له فلا بد أن يعرف أنها تحب منه ذلك، وإذا كان يتجمل للقاء الناس فأولى به أن يتجمل لزوجته.

قال ابن عباس: إني أحب أن أتزين للمرأة ، كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} (228) سورة البقرة. ([1]).

فإهمال كل من الزوجين في نفسه يؤدي إلى وجود خلافات بينهما , ويتبع هذا الإهمال في التزين والتجمل إهمال أشد ضرراً وأكثر خطراً وهو الإهمال في المعاشرة الجنسية، والباحث في أكثر الخلافات الزوجية يتبين له أن أكثرها يأتي من سوء أو إهمال في تلك المعاشرة، وقد لا يفصح الزوجان عنها حياءً، لكن عند اشتداد الخلاف واحتداد الشقاق قد لا يتورعان عن الإفصاح عنه.

ولقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن في تلك المعاشرة عبادة وأجر. فالزوجان يهدفان منها إلى: غض البصر وإحصان الفرج واعفاف النفس عن الحرام، وكذا التكاثر وإشباع الرغبة الغريزية للطرفين وتبادل الحب والعواطف والشعور بالدفء وحرارة العلاقة بين الزوجين.

عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي بُضع أحدكم صدقة، فقالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال عليه الصلاة والسلام: أرأيتم لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".([2]).

وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟. قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاما، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صدق سلمان). ([3]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها فقالوا: أين نحن من النبي؟ فقد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، قال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله فقال: إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.([4]).

ولقد نهى الإسلام المرأة عن امتناعها عن زوجها إذا دعاها للفراش وشدد عيها في ذلك قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَأَبَتْ عَلَيْهِ، فَبَاتَ وَهُوَ غَضْبَانُ، لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ.

وفي رواية: إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ.
وفي رواية: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلاَّ كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا، حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا.
وفي رواية: إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ تُجِبْهُ، فَبَاتَتْ عَاصِيَةٌ، لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ.([5]).

فمن هذه النصوص يتبين أنه لا يجوز للمرأة أن تمنع زوجها إذا دعاها للفراش، ولو كانت في شغل شاغل؛ إلا أن يكون لها عذر، قال المباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي عند قوله صلى الله عليه وسلم: وإن كانت على التنور. قال: وإن كانت تخبز على التنور مع أنه شغل شاغل لا يتفرغ منه إلى غيره إلا بعد انقضائه انتهى. ([6]).

فمن الأخطاء الامتناع على الزوج إذا دعاها للفراش إما بحجة أنها مرهقة أو أنها تريد إغضابه أو لجهلها، وما علمت أنها قد حرمت زوجها من أعظم حقوقه وعرضت نفسها للوعيد الشديد لأن من أعظم غايات النكاح أن يعف الرجل نفسه ويقيها مهالك الشهوة.

فلا يجوز لها الامتناع عنه إلا أن يكون لديها عذر شرعي من حيض ونفاس، أو يكون ذلك في نهار رمضان، أو أي سبب شرعي آخر يمنع من هذا اللقاء، ما عدا ذلك فلا يحل لها ولا يحق أن تمنع نفسها من زوجها متى طلبها.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اثْنَانِ لا تُجَاوِزُ صَلاتُهُمَا رُءُوسَهُمَا: عَبْدٌ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ، وَامْرَأَةٌ عَصَتْ زَوْجَهَا حَتَّى تَرْجِعَ. ([7]).

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): «لا تُؤذِي امْرَأَةٌ زَوجَهَا إِلاَّ قَالَتْ زَوجَتُهُ مِنَ الْحُور العِينِ: لا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللهُ! فَإِنَّمَا هُوَ عِندَكِ دَخِيلٌ أَوْشَكَ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَينَا».([8]).

ولطالما عنف صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين ضيعوا أو همّوا أن يضيعوا حقوق زوجاتهم في الفراش، وقد نقلت لنا كتب السنة كثيرا من هذا، ومن ذلك ما أخرجه أبو داود وأحمد واللفظ له عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبي صلى الله عليه وسلم. قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَىَّ خُوَيْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ امَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الاوْقَصِ السُّلَمِيَّةُ، وَكَانَتْ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ. قَالَتْ: فرأى رَسُولُ اللَّه ِصلى الله عليه وسلم بَذَاذَةَ هَيْئَتِهَا. فَقَالَ لي: يَا عَائِشَةُ، مَا ابَذَّ هَيْئَةَ خُوَيْلَةَ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امرأة لا زَوْجَ لَهَا، يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، فهي كَمَنْ لا زَوْجَ لَهَا، فَتَرَكَتْ نَفْسَهَا وَاضَاعَتْهَا. قَالَتْ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَجَاءَهُ. فَقال: يَا عُثْمَانُ، ارَغْبَةً عَنْ سنتي؟ قال: فَقال: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ سُنَّتَكَ اطْلُبُ. قَالَ: فإني أنام وأصلى، وأصوم وَافْطِرُ، وَانْكِحُ النِّسَاءَ. فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ، فَانَّ لأهلك عَلَيْكَ حَقًّا، وَانَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَانَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَصُمْ وَافْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ. ([9]).

ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي عن محمد بن معن الغفاري قال: أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقالت:يا أمير المؤمنين، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله عز وجل. فقال لها: نعم الزوج زوجك: فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب. فقال له كعب الأسدي:يا أمير المؤمنين، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه. فقال عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما.فقال كعب:علي بزوجها، فأتي به فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك.قال:أفي طعام أم شراب؟ قال لا. فقالت المرأة:
يا أيها القاضي الحكيم أرشده -- ألهى حليلي عن فراشي مسجده
زهده في مضجعي تعبده -- نهاره وليله ما يرقده
فلست من أمر النساء أحمده -- فاقض القضا يا كعب لا تردده

فقال الزوج:
زهدني في قربها وفي الحجل -- أني امرؤٌ أذهلني ما قد نزل
في سورة النحل وفي السبع الطول -- وفي كتاب الله تخويفٍ جلل

فقال كعب:
إن لها حقاً عليك يا رجل -- نصيبها في أربع لمن عقل
فأعطها ذاك -- ودع عنك العلل

ثم قال: إن الله سبحانه وتعالى قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك، ولها يومٌ وليلة.
فقال عمر رضي الله عنه لكعب: ما أدري من أي أمريك أعجب أمن فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما اذهب فقد وليتك القضاء بالبصرة  ([10]).

وفي الختام أقول لكل زوجين: احرصا على بناء بيتكما على أساس  التّقوى فإنها  أزهى وأربى، فإن من أحاط بيته بالمحرّمات أذِن بحلول الشّقاء؛ لأن الذّنوب تعسِّر الأمورَ، وتوحِش القلبَ بين الزّوجين، وكلّما كان الزّواج أقربَ إلى الصّواب كانَ أحرى بالتّوفيق.

ولأن المعصية تجلب الهم والغم، وتولد الشقاء والتعاسة، وتجلب سواداً في الوجه وقسوةً في القلب، وتتبدل السعادة إلى شقاء والحب إلى كره إلى غير ذلك، وتجعل المرء مغيّيباً في سجون شهواته ونزواته، ولن ينال العفو والمعافاة إلا بالإنابة إلى ربه، والرجوع إلى مولاه.

وقال أبو علي الدقاق رحمه الله: ظهرت علة بالملك يعقوب بن الليث أعيت الأطباء، فقالوا له: في ولايتك رجل صالح يسمى سهل بن عبد الله لو دعا لك لعل الله يستجيب له، فاستحضره، فقال: ادع الله، فقال: كيف يستجاب دعائي فيك.

 وفي حسبك مظلومون، فأطلق كل من حبسه، فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية، فأره عز الطاعة وفرج عنه فعوفي.([11]).

قال جعفر بن محمد: من أخرجه الله من ذل المعصية إلى عز التقوى أغناه الله بلا مال وأعزه بلا عشيرة وآنسه بلا أنيس ومن خاف الله أخاف منه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء.([12]).

والمعصية شؤم على صاحبها، بل وعلى أهله أيضا لأنها ذل في هذه الدنيا، وهي ذل في الآخرة أيضا عندما يرى العاصي نتاج عمله وقطوف زرعه، يقول سبحانه: وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ ([13]).

قال بعض السلف: إني لأعصى الله فأرى ذلك في خلق امرأتي ودابتي.
فيا أيها الزوجان حرصا على طاعة الله وعلى تحكيم شرعه عند كل خلاف بينكما، واعلما أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. وكونا ممن يدعوان الله دائما: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} ([14]).
بارك الله لكل زوجين وبارك عليهما وجمع بينهما على خير وفي الخير.

([1]) (عبد الرزاق في مصنفه ج 4/  ص 196 حديث رقم: 19263).
([2]) أخرجه أحمد 5/167(21805) و"البُخاري" في "الأدب المفرد" 227 و"مسلم" 3/82(2292).
([3]) رواه البخاري 4/209).
([4]) رواه البخاري ومسلم.
([5]) (أخرجه ابن أبي شَيْبَة 4/306(17133) و"أحمد" 2/439(9669) و"البُخاري" 3237 و"مسلم" 3530).
([6]) المباركفوري : تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 4/271.
([7]) أخرجه الحاكم (4/191 ، رقم 7330). قال المناوى (1/150) : صحيح، ورده الذهبي بأنه من حديث بكر بن بكار وهو ضعيف. وأخرجه أيضًا: الطبراني في الأوسط (4/67، رقم 3628)، وفى الصغير (1/289، رقم 478) من وجه آخر ليس فيه بكر بن بكار الضعيف. قال المنذرى (3/18): إسناد جيده. وقال الهيثمى (4/313): رجاله ثقات. وذكره الألباني في الصحيحة 1/580.
([8]) الترمذي (1147)، ابن ماجه (2014) باب في المرأة تؤذي زوجها، تعليق الألباني "صحيح"، أحمد (22154).
([9]) (أخرجه أحمد 6/268، وأبو داود (1369).
([10]) السيوطي: الدر المنثور 1/654، نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري 6/239، الأذكياء لابن الجوزي 99.
([11]) الأصفهاني: حلية الأولياء 10/201، إسماعيل حقي: تفسير روح البيان 8/221.
([12]) الشورى:44، 45.
([13]) البيهقي : شعب الإيمان 5/450.
([14]) سورة الفرقان :74.
بدرعبدالحميد هميسة


0 تعليقات:

إرسال تعليق