محاولات حجازية للتفاهم مع الأتراك.. انعكاس لتدهور علاقات الحجاز بالحليفة الرئيسية بريطانيا ورد فعل لسياستها التي خيبت آمال الحسين وتوقعاته



لا تعدو محاولات التقارب التي بذلها الحجاز مع الانظمة الجديدة التي جاءت بعد الحرب أن تكون إلا انعكاسا لتدهور علاقاته بالحليفة الرئيسية بريطانيا ورد فعل لسياستها التي خيبت آمال الحسين وتوقعاته، ومن هنا جاءت بعض مظاهر التعاطف والنوايا الطبية التي أظهرها الحسين لحركة الكماليين عند استفحالها أواخر 1920 ومن ان ثورته انما جاءت ضد الاتحاديين.

ولم يقتصر الامر على المشاعر الاخيرة، وتجاوزها ـ بحكم مصالح الجانبين في سوريا ـ الى محاولة التعاون ضد العدو الفرنسي المشترك. والحقيقة ان هذه المحاولات لم تكن خافية عن انظار المسؤولين الانكليز، الذين راحوا يحذرون من تحركات الامير فيصل، بعد ان تمكنوا من الوقوف على حقيقة زيارة الاخير الى مدينة حلب للاجتماع بمبعوثي مصطفى كمال، حتى انهم، ولتهدئة الموقف، حاولوا إعادة الثقة لفيصل وإقناعه بحسن النوايا الفرنسية.

ونصحت الحكومة بدورها مسؤوليها بطمانة فيصل وتبديد مخاوفه بشأن هذه النوايا، واستبعاد أي هجوم فرنسي قد يشن ضده.
هذا في الوقت الذي استفسرت فيه من الحكومة الفرنسية عن ضمانات تقدمها بهذا الشأن.

وكان طبيعيا ان يصعد الامير فيصل من مساعيه للتفاهم مع الكماليين بعد اخراج الفرنسيين له من سوريا، فقد كلف الامير فيصل ـ خلال وجوده في إيطاليا ـ مرافقه (ساطع الحصري) بالسفر الى الاستانة للتباحث مع الكماليين بما يوصل الى إعادة النظر في العلاقات القائمة بين الطرفين. فاجتمع مبعوث فيصل ببعض ممثلي الكماليين في الاستانة، وطرح لهم موقف العرب الحاضر وما يحيط بهم من ظروف، بما في ذلك محاولته تصحيح التصورات الخاطئة في ذهنهم تجاه العرب.

غير ان محادثات الحصري لم تكن وافية لتعذر استئنافها بسبب الاوضاع الحربية التي كانت تسود تركيا حينها، ومع ذلك فلم يمتنع الحصري عن مواصلة مساعيه مع ممثلي الكماليين الموجودين في روما ن فترك الاستانة بعد تزوده ببعض المعلومات من قبل الاخيرين الموجودين فيها لضمان اتصاله برفاقهم في روما فضلا عن الاوراق والوثائق التي زوده بها فيصل عند عودته الى ايطاليا في طريقه لمواصلة المفاوضات.

ولدى اجتماعه بهم واستفساره عن مواقفهم، ونزاعاتهم، ارتاى الاتصال بـ (فريد بك) وزير مالية الحكومة الكمالية بانقرة، وممن كانت له به معرفة جيدة، فبعث له في 29/10/1920 برسالة استفسر فيها عن موقف حكومته من الحكومة الحجازية، ومدى استعدادها لتمويل الحركة ضد فرنسا، وما يقتضي ذلك من الامور.

وقد ارفق الحصري هذه الرسالة باخرى الى (يونس نادي) صاحب جريدة (بني كون) أي اليوم الجديد.

تعليقا على تهجمه ضد الملك حسين والقضية العربية، في محاولة من الحصري لإقناعه بطرح القضية بشكل موضوعي.

ومما جاء في رسالته لاثبات وحدة مصالح العرب والاتراك، سماح القوات العربية في سورية بتزويد القوى التركية التي تعمل شمال حلب بالذخائر التي تحتاجها وحيلولتها (دون استفادة الفرنسيين من السكك الحديدية السورية في حركاتهم ضد القوى المذكورة.
حتى ان الجنرال (غورو) كان قد توهم بتاثير هذه الوقائع، باننا كنا متفقين معكم اتفاقا رسميا).

وردا على ما جاءت به جريدة (يني كون) في اعتبارها لثورة الحسين ـ سببا في اندحار قوة المسلمين عموما بما فيهم العرب والاتراك ـ اثبت الحصري عدم صحة هذا الرأي اذ ان ظروف الحرب كانت قد ربطت مصير الدولة العثمانية ومقدرات البلاد الاسلامية بمصير المانيا، ولا يمكن ان يكون لحركة الحسين اثر كبير بين القوى الهائلة المتحاربة (اعتقد ان الثورة العربية ما كان يمكن ان تؤثر تأثيرا يستطيع ان يغير مجرى الحرب، فينزع النصر من احد الطرفين ليأخذ الآخر... وان انكسار الالمان واستسلامهم كان من الامور المحتمة، نظرا الى سير الوقائع العالمية، سواء اقامت الثورة في الحجاز ام لم تقم...).

واستشهد الحصري بخطبة انور باشا في المجلس النيابي التي ربط فيها مصير بلاده بمصير المانيا حالة هزيمتها او انتصارها... واضاف ان الحكومة العربية التي ترأسها فيصل في سوريا والتي هي احدى نتائج الثورة في الحجاز، كانت مصدر قلق للحكومة الفرنسية ودفعتها الى حشد قسم من قواتها في السواحل السورية، بدلا من توجيهها للشمال واحتلال اقسام اضافية من الاراضي التركية... وانتهى الحصري بعد هذه المقدمة الى ما كان يرمي اليه في تجاوز الماضي، وتفهم متطلبات الظروف الحاضرة للتقارب بين العرب والاتراك و "ضرورة عقد اتفاق بين الحجاز وبين تركيا" وهو ما كان ينادي به ايضا (يونس نادي) واعرب الحصري اخيرا عن امله في تفهم الاخير لملاحظاته والحكم على ضوءها.

ولعل الحصري كان على حق في رسالته الاخيرة للصحفي التركي، لما كان يتمتع به الاخير من مكانة لدى الحكومة الكمالية والدور الكبير الذي يلعبه في توجيه الرأي العام التركي، فضلا عن كونه نائبا متنفذا في المجلس الوطني الكبير وعضوا فعالا في لجنة الشؤون الخارجية.

علما أن الرسالة لم ترسل لتنوير يونس نادي فحسب بل و(فريد بك) نفسه، من هنا جاءت الرسالتان في ظرف واحد.

أوضحت الحكومة الكمالية موقفها على لسان فريد بك بعد مرور شهرين على استفسار الحصري. فاكدت رغبتها في تحرير جميع الأقطار الاسلامية من احتلال الاجنبي والتضحية الممكنة في هذا السبيل الا (اننا لا نعلم ما هي العواطف التي تكنها نحونا اليوم الهيئة الحاكمة في الحجاز، غير اننا نظن ان هذه الحكومة خاضعة للتاثير الانكليزي في الحجاز. ونحن نرغب ان يكون المسلمون سعداء مرفهين في جميع الجهات).

والتفتت المذكرة الجوابية الى مساعدة سوريا والعراق لنيل استقلالهما واستعداد الحكومة الكمالية للتعاون مع أي جهة اسلامية في هذا السبيل، كما اشارت الى استعدادها ـ وردا على استفسار الحصري ـ لفسح المجال امام الحركة المناوئة للفرنسيين في ممارسة نشاطها في هضبة الاناضول شريطه استصحاب عناصرها لبعض الاوراق اللازمة بهم.

على اية حال فإن التطورات التي طرأت على السياسة الدولية والتسويات التي جرت في المنطقة، اضعفت التوقعات المترتبة على هذه الاتصالات. ولم يحدث ما يثير الانتباه بين الطرفين، مع بقاء الموقف الحجازي متجاوبا تجاه الكماليين بشكل عام.
فتشير "القبلة" الى ما ينم عن انعدام الخلافات بين الحجاز والكماليين، بما في ذلك تاكيدها على الروابط القديمة التي تربط الشعبين العربي والتركي.
وتورد بعض الاشارات الوثائقية عن بعض المراسلات المتبادلة بين الملك حسين وحكومة أنقرة، مفادها كما جاء على لسان ناجي الاصيل في لندن سنة 1923 اتخاذ العرب موقف الحياد من تطور الاحداث مستقبلا، دون الاخلال بالعلاقات الممكنة بين العرب واصدقائهم.
وبكلمة اخرى محاولة لتوجه جديد، يامل الحسين منها التقليل من أهمية علاقاته مع بريطانيا.
ومن الطبيعي ان تنبه الاخير وتحذر، للتبدل الاخير في موقف الحسين وان تهدد بإعادة النظر في علاقاتها مع العرب فيما اذا تحاشوا الاقتداء بمشورتها والتعاون معها.

ومع ما أبداء فيصل من التودد والاعتذار في اجابته على التنبيه الاخير، فإنه برر موقف والده الاخير، بالتهم الموجه ضده في شق عصا الاسلام وكونه سببا في انخذالهم بعد فشله في تحقيق الوعود التي قطعها له الحلفاء، الى جانب محاولته في إثبات عدم ولائه للقوى الاجنبية، انقاذا لموقفه المحزن بين المسلمين وعلى حد قول فيصل، واعتمادا على برقية والده، ان الاخير، انما أراد من اتصالاته بالكماليين، لسبر غورهم، والتعرف على ما ينطوي عليه موقفهم.

وآخر ما يمكن إيراده بصدد العلاقات الحجازية الكمالية، اللقاء المباشر الذي تم بين وفدي كلتا الدولتين في مؤتمر (لوزان) والذي اظهر تعاطفهما بشكل اكثر وضوحا من السابق، فقد ابلغ عصمت باشا وزير خارجية تركيا ورئيس وفدها للمؤتمر، الدكتور ناجي الاصيل رئيس الوفد الحجازي (ان يبرق الى جلالته الهاشمية بصفته الرئيس الاعالى للامم العربية بان عصمت باشا مخول السطلة التامة من حكومة أنقرة ليعلن ان تركيا لا تضمر أي عداء نحو العرب...

وإن تركيا على العكس اعترفت بالاستقلال التام للبلاد العربية وان ذلك لايقتصر على الحجاز وحده بل يتناول سوريا وفلسطين والعراق واضاف عصمت باشا الى ذلك ان هذا التصريح صادر منه رسميا بصفته وزير الخارجية واضاف انه سواء امضت تركيا معاهدة الصلح مع الحلفاء او لم تمضها فإنها تعترف اعترافا صريحا بالاستقلال التام للبلاد التي ذكرتها).

وقد اعربت وزارة خارجية الحجاز عن مشاعرها الودية تجاه الموقف الاخير في برقية بعثت بها للاصيل بهذا الشأن، وبرقية اخرى مماثلة الى وزارة خارجية تركيا تشكر فيها اعتراف الحكومة التركية الرسمي باستقلال العرب التام واعتزاز الحكومة الهاشمية واهتمامها (لانه لاغاية للعرب الا استقلالهم في حدود بلادهم المعروفة، ويمدون ايدي وفائهم وامتنانهم لكل من يعترف لهم بذلك...).
ومع ذلك فلم تسفر محاولات التفاهم بين الجانبين الحجازي والتركي آنذاك عن نتائج ايجابية واقعية، وساد الصمت هذه العلاقة حتى نهاية المملكة سنة 1925.