العلاقات الحجازية ـ المصرية.. رفض الحكومة الحجازية طلب الحكومة المصرية في إقامة مستشفيين طبيين مستقلين في كل من جدة ومكة ورفض مصر الاعتراف بخلافة الحسين



كانت مصر في فترة بحثنا هذا تحت الحماية البريطانية التي اعلنت بصورة رسمية منذ كانون الاول 1914 بعد ان كانت تلك البلاد تحت الاحتلال الانكليزي سنة 1882.

ومع ذلك فلم تتميز العلاقات الحجازية المصرية بشيء هام سوى بعض السلبيات التي برزت بين البلدين في اواخر عمر الممكلة الحجازية.
وقد تمثلت بما يأتي:

1ـ قضايا الحج وملابساته:
وخلاصة الخلافات التي دارت بهذا الشأن فمردها رفض الحكومة الحجازية خلال موسم حج سنة 1923، طلب الحكومة المصرية في إقامة مستشفيين طبيين مستقلين في كل من جدة ومكة لحين انتهاء الموسم خلافا للمعتاد وحجتها في ذلك، خشية ان يقود ذلك الى فتح باب للتدخل الاجنبي في الحجاز، بعد ان تبادر الدول الاخرى بنفس الطلب المصري، الامر الذي يتضارب مع استقلال الممكلة وسيادتها.

عمدت الحكومة المصرية ولإقامة هذين المستشفيين الى الاتصال بوزير خارجية الحجاز قبيل وصول المحمل المصري.

الذي كانت ترافقه البعثة الطبية كالمعتاد، وطلبت الموافقة على رغبتها، غير ان الحكومة الحجازية لم توافق الا ان تكون البعثة الطبية برفقة المحمل اينما حل، دون ان تكون لها صفة مستقلة.

وبينما كانت الحكومة الاخيرة تبدي معارضتها، وصل امير الحج المصري برفقة المحمل الى جدة وابلغ قائمقامها برجوع المحمل الى مصر حالة اصرار الحكومة الحجازية على موقفها، وذلك تنفيذا لأوامر حكومته.

ولرغبة الحجاز في تسوية الامر، حاول نائب رئيس وزراء الحسين وبإيعاز الاخير الاجتماع بامير الحج في جدة، ولدى الاجتماع اوضح الشيخ سراج (نائب رئيس الوزراء)، لأمير الحج المصري موافقته على دخول البعثة الطبية بما في معيتها من الاطباء والموظفين وغير ذلك من المواد التي تحتاجها بغض النظر عن اعدادهم، او حجم المواد التي بمعيتهم، على ان ترافق البعثة الطبية المحمل اينما حل.

غير ان أمير الحج كانت لديه اوامر بإقامة مستشفيين في كل من جدة ومكة، مع صلاحيته في اصدار الاوامر للموظفين الحجازيين عند الحاجة.

فلم يسمع الشيخ (سراج) سوى ان يكرر اجابته السابقة دون ان ينتهي الاجتماع الى حل يرضي الطرفين وانتهى الامر برجوع المحمل الى مصر.

وكانت الحكومة المصرية قد عمدت خلال هذه المفاوضات في تموز 1923، الى بحث الخلاف مع كبار علماء الدين في مصر، في الوقت الذي هددت فيه بقطع علاقاتها مع حكومة الحجاز، اذا ما استمرت على موقفها المعارض.

ولما اخفقت محاولات التفاهم مع الحجاز، اصدرت في 16 من نفس الشهر فتوى من شيخ الجامع الازهر ومفتي الديار المصري مفادها استنكار الموقف الحجازي لتنافيه مع التعاليم الدينية، وطالبت الحجاج المصريين بالرجوع الى بلادهم لاحتمال تعرضهم للاخطار التي تجعل من اداء الفريضة على المسلم غير واجبة بسببها واضافت الفتوى، تنصل الحكومة المصرية من مسؤوليتها عن الحجاج الذين استأنفوا سيرهم الى مكة دون المحمل الذي امرت بإرجاعه.
وستقع تبعة ذلك على الملك حسين.

وقد ردت الحكومة الحجازية على بلاغ الحكومة المصرية ببلاغ رسمي مماثل عن طريق وكالتها في مصر، أبدت فيها اسفها لما وقع من خلال وعدم صحة الاجراء المصري في إرجاع المحمل وكسوته لسبب بسيط واشارت الى عنايتها بالحجاج المصريين الذين اتموا مراسيم الحج، واستعرضت الحجج السابقة في رفضها المطاليب المصرية وحسن نواياها التي عكسها نائب رئيس الوزراء لدى اجتماعه بأمير الحج، في حين جاءت الحكومة المصرية (ذهب البلاغ الهاشمي) في برقياتها هذا العام بصيغة تختلف عن السابق كتعبير" قررت الحكومة المصرية خلافا للمتبع"و" ضروري تنفيذ تعليمات الحكومة المصرية بكل دقة وعناية"، الامر الذي لا يتناسب مع ما بين البلدين مع العلاقات الودية.

كما كذب البلاغ الهاشمي اتهام مصر الحكومة الحجازية بانها كانت وراء الاشاعة التي انتشرت بين اهالي الحجاز والتي مفادها ان الهدف الحقيقي المستضفيات المصرية انما هو لتسميم المياه وينابيعها، ومع تأكيد قائمقام جدة لهذه الاشاعة ـ ذهب البلاغ ـ الا ان الحكومة كذبت ذلك بشدة، وأشار الى سماح الحكومة الحجازية بنزول الاطباء المصريين معداتهم الى البحر رغم عدم البت في امرهم مع الحكومة المصرية اذ كان من حق الحجاز معارضته ذلك لحين التفاهم مع امير الحج الذي جاء بعدهم.

وجدير بالذكر ان هذا الخلاف خضع لتعليقات الصحف المصرية، التي لم تأل جهدا في انتقاد الملك حسين وحكومته، بل راحت بعدها كجريدة اللطائف المصورة بنشر بعض الصور الكاريكاتيرية والسخرة عن الحسين، مما فسح المجال امام جريدة القبلة لاستغلال ذلك كمادة صحفية لرد وانتقاد هذه الصحف والدفاع عن وجهة نظر حكومتها، والاستشهاد ببعض انتقادات او استنكار بعض الصحف.

والاوساط العربية لموقف الصحافة وتعريضها بالملك حسين ومكانته  ولم يقتصر انتقادها للصحف المصرية فحسب، وانما وجهت ذلك للحكومة المصرية ذاتها التي لم تعمد الى تطبيق القوانين المتعلقة بالصحافة بحق هذه الصحف، والتي تؤكد على عقوبة الصحف واصحابها حالة تعريضها بأحد الملوك او الرؤوساء.

بقي ان نحاول التعرف على مدى مسؤولية الطرفين عن هذا الخلاف وفيما اذا كانت هناك بعض التأثيرات الخارجية في خلق مثل هذه التوترات وفي مثل هذا الوقت بالذات فالحكومة المصرية وان ابلغت الحجاز بمطاليبها بشأن البعثة الطبية، الا انها لم تقدم على ذلك الا عند حلول موسم الحج في وقت ضيق لامجال للتفاوض فيه بغض النظر عن صيغة الامر التي انتهجتها مع الحجاز، واسلوب التهديد الذي جاء به امير الحج في إرجاعه المحمل بما يحمل من الكسوة والارزاق.

يضاف الى ذلك ان الاطباء المصريين الذين سمحت الحكومة الحجازية بنزولهم الى جدة، شرعوا في ممارسة نشاطهم قبل التفاهم مع حكومتهم او مع امير الحج بشأن الصلاحيات التي يمكنهم التمتع بها،الامر الذي اضطر السلطات الحجازية ـ ولرفض الاطباء الكف عن ممارسة عملهم ـ الى إيقافهم وحجز كافة المعدات واللوازم الطبية التي جاؤوا بها في مركز كمرك جدة، لحين وصول امير الحج والتفاهم معه هذا فضلا عن اجراءات الموظفين المصريين في إرجاع بعض الحجاج المصريين الى بلادهم بعد فشل المفاوضات، دون الاخذ بنظر الاهمية الاعتبارات الدينية، علاوة على عدم رجاحة عملهم في إرجاع المحمل والكسوة لكونها من اوقاف مخصوصة وليست من مالية الحكومة المصرية، وعين الامر بالنسبة لقطعها مخصصات اهالي الحجاز في أوقاف الحرمين، وارجاعها الحبوب المعتاد توزيعها على سكان الحجاز.

بيد ان ذلك لا يمنع من القول، ان العناية الصحية في الحجاز كانت بسيطة، بساطة اجهزتها الصحية  مما قد يبرر تأكيد المصريين على الاهتمام بصحة الحجاج المصريين وارسالهم الاطباء الى الحجاز وإقامة مستشفيات وقتية لتولي هذه المهمة.

الا ان اصرار الجانب المصري كان مغاليا به، اذ كان بالامكان مماشاة رأي الحجاز وانتقال البعثة الصحية مع المحمل الى مكة خصوصا وان الحاجة الماسة للعناية الصحية هي في مكة وليست في جدة بحكم مراسيم الحج التي يؤديها الحجاج في مكة، وبذلك يمكن البعثة ان تنجز مهمتها التي جاءت من اجلها.

اما بالنسبة للحجة التي تمكست بها الحكومة الحجازية في رفضها للمطاليب المصرية فهي كما تقدم مساس هذه المطاليب باستقلال الحجاز وسيادته  وخشية ان يقود إقرارها الى فتح باب للتدخل الاجنبي خاصة وان مصر تحت الحماية البريطانية.

ويضطرها فيما بعد للرضوخ الى مطاليب اخرى اقتداءا بالترخيص الذي تبغيه الحكومة المصرية.

وقد اوضح الحسين في مقابلة معه بشأن هذا الخلاف، ان الامر ليس بتلك السهولة التي يمكن تصورها (ان انجلترا تريد استعبادنا ولكن ليس لها في الحجاز وساطة من المسلمين البريطانيين الذي يتدخلون في شؤون الحجاز بأصابع السياسة البريطانية، وهي خطوة خطرة تريد انجلترا أن تخطوها ولكني لا امكنها منها وانا على قيد الحياة، هل تظن انني اكره ان يجيئ الحجاز ملايين الاطباء المسلمين مهما كان جنسهم، سواء خدموا الحجاز ام لم يخدموه؟ كلا انني اكره بل ارفض الاطباء السياسيين الذي يرسلهم اولئك المسعتمرون).

وقد يكون بالامكان تكذيب حجة الحجاز، لو لم يكن الحسين قد نفذ ما قاله مسبقا سنة 1921، حينما رفض طلبا مماثلا للبعثة الطبية التي سعت حكومة الهند إدخالها للاسهام في العناية الصحية ـ للبلاد، لاعتبارها تدخلا في شؤون الحجاز، الامر الذي اوشك ان يؤدي بقطع العلاقات مع بريطانيا  ومع ذلك فإن مشكلة الحج تبدو مبالغا فيها، ويمكن اعتبارها ضمن المواقف السلبية التي تعمد الحسين انتهاجها مع بريطانيا كرد فعل لسياستها السلبية التي انتهجتها بعد انتهاء الحرب العالمية.

اما بالنسبة لحشر هذه المبررات بالموقف الذي اتخذ من البعثة الطبية المصرية، فمع صحتها فإن هناك سببا آخر يبدو اكثر اهمية، ذلك هو إجراء الحكومة المصرية (وزارة الاوقاف) هذا الموسم في قطعها للإعانات والتبرعات الموقوفة لاهل الحجاز من قبل الاهالي المصريين، بعد ان كانت جارية منذ السابق.

وهذا ما يفسر تأكيد الحجاز على هذه الناحية في رده على الحكومة المصرية بشأن الخلاف القائم بينهما، ودعوة وزارة الاوقاف المصرية لصرفها.

وقطع الاعانات المصرية امر يستدعي الانتباه في مثل هذه الفترة بالذات أي بعد اربعة اعوام تقريبا من انقطاع الاعانات البريطانية عن الحجاز، وفي وقت كانت فيه العلاقات مع بريطانيا في توتر وجفاء، الامر الذي يبدو وكأن لبريطانيا يدا في الاجراء المصري الاخير، خصوصا وان مصر كانت تحت الحماية البريطانية هذه الفترة والحقيقة ان الحكومة الحجازية لم تبخل في إلقاء الضوء على هذه النقاط، فقد استشهدت جريدة (القبلة) بإحدى مقالات جريدة البلاغ المصرية بشأن الخلاف مع مصر ـ دفاعا عن وجهة نظرها، عرضت فيه رفض الحسين التوقيع على معاهدة فرساي، وقطع بريطانيا لاعاناتها المالية، بعد اصراره على الموقف الاخير، ولم يكتفوا بذلك بل طالبوه بإرجاع المخصصات الشهرية التي تسلمها قبيل اعلان رفضه المعاهدة المذكورة، هذا فضلا عن الاستفزازات التي اتبعتها عن طريق ابن سعود في نفس الوقت الذي تبدي فيه استعدادها لروع الأخير في محاولة لتطويق الحسين بمنه المحافظة عليه.

ومضت الجريدة وأشارت الى البعثة الطبية التي بعثتها حكومة الهند كخطوة اخرى في السياسة السلبية مع الحسين، حتى تتطرق الجريدة لقضية الخلاف مع مصر، حيث تلعب بريطانيا في مصر نفس الدور الذي قامت به حكومة الهند كخطوة اخرى في السياسة السلبية مع الحسين، حيث تلعب بريطانيا في مصر نفس الدور الذي قامت به حكومة الهند.

اذ كان لها دورها في التوترات التي حصلت بين مصر والحجاز عام 1922 (قبل الخلاف الذي نحن في صدده) بشأن المحاجر الصحية، ولكنها ولفشل هذه المحاولة عمدت الى حث الحكومة المصرية بطرح مطاليبها الاخيرة بشأن البعثة الطبية، خلافا لما هو معتاد وتساءلت الجريدة ـ بما يفهم منه الاتهام عن سبب انقطاع سلك التلغراف الذي يربط الحجاز بمصر خلال فترة بدء المفاوضات والذي لم يسبق له ان عطل منذ امد بعيد.

وكانت جريدة القبلة قد نشرت مقالة اخرى ردت فيها على اتهام جريدة الاهرام، للحجاز بخضوعه للحماية البريطانية، اتهمت فيها الحكومة المصرية بهذه الحماية، وبأن الانكيز سخروا رجالها لاشعال هذه الفتنة لايهام المسلمين ان هناك حماية حقيقية على الحجاز.

وعلى اية حال ظلت العلاقات على حالها حتى اقتراب موعد الحج لعام 1924، حيث بدأت بالانفراج ولعل في مساس الخلاف بالرأي العام لمسلمي مصر والحجاز، باعتبار الحج فريضة دينية لا يمكن اعاقتها، فضلا عن الاهمية المترتبة على الاعانات المصرية وفوائدها للحجاز، اثره الواضح في الجنوح الى انهاء الخلاف ولو وقتيا وهذا ما يفسر أسبقية الحجاز في جنوحه لمبادرات التفاهم هذا العام. فقد أشيع عن عزم الحسين لايفاد احد انجاله الى مصر لهذا الغرض  ومع ان ذلك لم يتم، فإن وزارة خارجية الحجاز ابلغت بدورها نظيرتها المصرية في نيسان 1924 عن عزم الحكومة الحجازية لتسوية الخلاف.

وذهبت الاخبار الى ان الحكومة المصرية ابدت موافقتها ايضا وان ليس في نيتها منع الاعلانات المخصصة للحجاز، بعد اكتفائها بالايضاحات التي بسطها مندوب الحجاز في مصر للحكوم المصرية بشأن حقيقة الخلاف، والذي يبدو ان الحسين كان قد ابدى بعض الاستجابة واعطى بعض الضمانات بشان معاملة مرافقي المحمل من عسكريين واطباء.

واوعز لممثله في مصر السيد عبد الملك الخطيب باستئناف المباحثات مع الجانب المصري بشأن خلاف الصيف الماضي.

وقد اجتمع الخطيب بوزير مالية مصر السيد محمد توفيق نسيم باشا في حزيران، وتم التفاهم حينها على انهاء الخلاف والاتفاق على السماح للاطباء المصريين بممارسة عملهم وتعيين قاعات خاصة في مستشفيات الحجاز للحجاج المصريين وفي الاجتماع الثاني الذي تم بين الجانبين في 25 حزيران.

بلغ نسيم باشا الخطيب بأوامر الملك فؤاد في ارسال المحمل المصري هذا العام. اما الحبوب وسائر الارزاق التي ترسلها مصر، فقد فوضت الحكومة الحجازية تقديرها الى الحكومة المصرية وادراكها. وقد اصدرت الحكومة المصرية بلاغا رسميا بشأن التفاهم الاخير، اوضحت فيه الانتهاء الخلاف مع الحجاز، واستئناف الحكومة إرسال المحمل كالمعتاد، وان لديها التأكيدات عن الحفاوة والتكريم اللتين سيقابل بهما المحمل ومرافقيه في الاراضي الحجازية.

غير ان هذه التسوية لم تكن بكافية كليا لانها تؤثر علاقات الجنبين وخلافاتهما سواء كانت خلافات جديدة حصلت هذا الموسم، ام خلاف العام الماضي أي عام 1923.

اما بالنسبة للاولى فكان مصدرها تردي الاوضاع العامة في الحجاز حيث صدرت بعض الانطباعات وبعد انتهاء موسم الحج عن سوء الحالة في الحجاز وقلة العناية بالحجاج المصريين وشكوى الاخيرين من معاملة العشائر لهم فضلا عن غلاء سعر الماء الذي عمدت الحكومة الحجازية الى رفع قيمته الى الدرجة التي دفعت بأمير الحج ان يقترح على حكومته بقطع الهدايا السنوية من الحبوب والنقود عن الحجاز توقيت الحج.

ورفع تقريرا بشأن هذه الاوضاع، أبت الحكومة المصرية نشره لحين انتهاء اتصالاتها بالحجاز وتسوية ما استجد من خلاف لتذيع بعدها بلاغا رسميا بهذا الشأن. وقد رد ممثل الحجاز في مصر مكذبا الاخبار الاخيرة، وبرر ارتفاع اسعار المياه في موسم الحج الى انقطاع المياه في عين زبيدة مدة خمسة ايام لصعوبة اصلاحها بسرعة، الامر الذي زاد من سعر المياه الى ثلاث ريالات او ثلاثين غرشا صاغا للصحيفة الواحدة.

بينما ارجعت جريدة القبلة ندره المياه الى حرارة الجو وكثرة الوافدين من الحجاج الامر الذي زاد من طلبه فارتفاع سعره...

اما الخلاف الاخر فهو عين الخلاف الذي حصل في عام 1923 تقريبا. ويبدو انه كان السبب في إثارة الانطباعات التي تقدم ذكرها عن اوضاع الحجاز.

فقد كرر امير الحج مطالبة السابقة في تهيأة مكان خاص للبعثة الطبية في كل من جدة ومكة، ومع استجابة المسؤولين الحجازيين لذلك الا ان امير الحج لم يوافق على المكان الذي خصص في جدة لبعده عن المدينة وقدمه، خشية اعاقة عمل البعثة الطبية، ومع ذلك فقد تم ارجاء البحث في الموضوع لحين وصول القافلة المصرية الى مكة، وخلال بحث الامر بين الحسين وامير الحج اعترض الملك على طلب الامير لما يعنيه ذلك من فتح الباب لكل الدول الاجنبية بطلب بعثات لها في موسم الحج.

واوضح ان ما اتفق عليه مع الحكومة المصرية هو ذهاب البعثة الطبية مع المحمل اينما حل.
الا انه لم يمتنع من ابداء موافقته في تهيأة الامكنة الخاصة لها في كل من مستشفى مكة وجدة نظرا لحلول البعثة في الحجاز.

وردا على الاتفاق الذي اشار اليه امير الحج بين مصر والحجاز بسط الحسين اوراق الاتفاق مع حكومة مصر تأكيدا لما ذهب اليه.

وأعرب عن موافقته لقيام البعثة الطبية بما فيها من الموظفين بعملها، وتعيين الحكومة المصرية من تشاء من الاطباء والصيادلة والموظفين والخدم والمواد الطبية وستتولى حكومة الحجاز دفع هذه النفقات شريطة ان يكون اعضاء البعثة موظفين لديه.

ومع ذلك فإن الاقتراح الاخير كما يبدو كان للسنوات المقبلة، اذ ختم الحسين اجتماعه بأوامره لتخصيص اماكن معينة للبعثة الطبية المصرية لهذا الموسم.

ومما زاد حدة التوتر بين مصر والحجاز قيام السلطات المصرية بنقش اسم ملك مصر على احدى زوايا الكسوة المنوي وضعها على الكعبة الامر الذي اعترض عليه الملك حسين  ودفع بسلطاته الى رفع القسم الذي ذكر عليه اسم الملك فؤاد وإبداله بآيات قرآنية  بحجة مخالفة الاجراء المصري للتعاليم الدينية.

وقد عدت السطات عملها هذا تعظيما للبيت وبرهانا على حسن نيتها حينما لم تبدل اسم الملك فؤاد باسم آخر بآيات قرآنية  فضلا عن إبقائها للإسم المذكور على ستار مقام إبراهيم والمنبر الشريف لعدم تضاربه مع الشرع الاسلامي.

غير ان الحكومة الحجازية ـ على حد قول جريدة السياسة المصرية ـ مثلت لاحتجاج امير الحج المصري واعيد وضع الكسوة الى ما كانت عليه في السابق بعد الاتفاق بين الطرفين.

ومما يذكر ان امير الحج عمد الى القيام ببعض الاعمال التي اثارت المسؤولين الحجازيين. فقد اوضحت بعض التقارير الورادة الى القنصلية البريطانية في جدة قيامه برصف حرسه العسكري امام مسجد الكعبة وانشادهم النشيد القومي المصري، والقيام ببعض الاعمال التي يفهم منها استخفافهم بالحجازيين، كتصوير هزيمتهم امام جيوش محمد علي قبل قرن من الزمان، او عدم اتباعه تعاليم الحج كوقوفه في عرفة بملابس غير الاحرام، او جلوسه على الكرسي المخصص للملك حسين لدى اجتماعه به بدلا من اتخاذه المقعد الخاص به.

وعلى اية حال فإن كلا من الجانبين المصري والحجازي لم يذهبا كالسابق في موقفها، ولم تجنح الحكومة المصرية الى تعكير جو العلاقات من جديد، بعد ان اكتفت بالتقرير الذي رفعه ممثل الحسين في القاهرة بصدد هذه المشاكل، واعربت عن نيتها في حل المشكلة بالتفاهم بعد ان عزت مؤاخذاتها لامير الحج ... الذي أبت نشر تقريره الذي رفعه عن اوضاع الحجاز كما اشرنا، في الوقت الذي اتسم فيه موقف الحجاز بالاعتدال والابتعاد عما يثير الخلافات.

ومهما يكن، سواء تم حل مشاكل البلدين ام لم يتم، فقد كان الحسين على موعد مع حل آخر فرضته القوات الوهابية في هجومها الاخير على الحجاز.

2ـ الموقف المصري من خلافة الحسين:
وهذه هي النقطة الثانية، او الاخيرة التي يمكن اضافتها للسلبيات التي ألمت بعلاقة البلدين في السنوات الاخيرة من عمر الممكلة.

اذ رفضت مصر الاعتراف بخلافة الحسين التي ادعاها في عمان في آذار 1924 ودعت الى عقد مؤتمر اسلامي في القاهرة لتقرير مصيرها باتفاق المسلمين.

ولا شك ان تكون هذه القضية عاملا مساعدا في تعزيز الخلافات السابقة وتعميقها بين البلدين.