التقارب الحجازي السوفيتي.. فضح المخططات الاستعمارية المرسومة في المعاهدات السرية كمعاهدة سايكس ـ بيكو وفتح ممثلية وقنصلية عامة للاتحاد السوفييتي في الحجاز



كانت سياسة روسيا القيصرية قبل وبعد اندلاع الحرب العالمية على اتفاق مع سياسة الحلفاء الاستعمارية فيما يتعلق بالمنطقة العربية، حتى قيام ثورة اكتوبر الاشتراكية سنة 1917 وما حملته من تغيير لاوضاع روسيا بما فيها سياستها الخارجية والتي تمثلت خطوتها الأولى بفضح المخططات الاستعمارية المرسومة في المعاهدات السرية ومن جملتها معاهدة سايكس ـ بيكو.

ان ما نلمسه عن العلاقات بين الحجاز والاتحاد السوفيتي انها كانت تتسم بنوع من الجفوة والنفور تماشيا مع موقف بريطانيا الحليفة الرئيسية للحجاز.

والذي يقرأ اعداد جريدة (القبلة)، يلاحظ بعض الاشارات التي توضح هذا الموقف.

كان تلقي مسؤولية الاوضاع المتردية في روسيا على عاتق البلاشفة أو كما ذهبت في احدى مقالات (دمارسوسكو) تصف الدمار الذي سببه الاخيرون لروسيا وتعرضها بالانتقاد لسياستهم في مضايقة التجار والاثرياء، وما جرته من النتائج السلبية للاوضاع الاقتصادية  او استهجانها للصلح الذي عقده قادة الثورة مع المانيا وانسحابهم عن الحرب، وانتقادها، وبشكل أدق استعصابها لسياستهم التي اولت دورا بارزا لطبقة العمال والفلاحين.

وقد عززت نظرتها الاخيرة في مقالة اخرى جاءت تعليقا على دفاع احدى الجرائد المصرية (الافكار) عن حقوق العمال وقالت في هذا الصدد (ان هذه القضية يرجع فيها الحكم الى وجهين اولهما الديني ولانرى لزوما لبحث فيما يقوله ذلك القانون الشريف... الثاني ما تحكم به المدارك البشرية فنقول انه لا مشاحة اذا اثبتنا للعمال حقا بالشكل والطرز الذي يزعمون.

إن ذلك الحق لا يخلو من احد امرين اما ان يكون له حد معلوم او هو عبارة عن كل ما احدث في العالم بلشفيكية او (خرشفيكية) اتخذ مبتدعوها اولئك العمال وسيلة لانتشارها غير ملتفتين لتأثيرها على العالم الكروي كما هو مشهود).

وتذكر " القبلة " القارئ بموقفها هذا من النظام الجديد في روسيا في أعدادها المتقدمة والتي ادرجنا بعضها قبل قليل، ومناوأتها (للمذهب البولشفيكي) وبانها (كانت من جملة المقاومين لهذه الفكرة السيئة بالتاثير على نظام العالم وسعادة البشر).

ونجد الجريدة تقف الى جانب بعض الآراء التي ارتفعت في مصر ضد البلاشفة.
كما جاء ذلك في دفاعها الواضح لمفتي مصر ـ الذي كان قد هاجم البلاشفة واتهمهم ببعض التهم  ـ بما في ذلك تهجمها على منتقديه من الكتاب المصريين.

بيد ان المواقف الاخيرة وسياسة الحجاز الخارجية عموما كان لابد لها ان تتأثر بالتغيرات الجديدة التي طغت على السياسة الدولية ـ وبالذات السياسة البريطانية ـ في المنطق بعد انتهاء الحرب العالمية وما جرت على الحسين من نكسات مخيبة.

لذا كان من الضرورة ان تعيد العائلة الهاشمية نظرها وتصوراتها لأبعاد هذه التصورات، فترى الامير فيصل ـ خلال إقامته في ايطاليا سنة 1920 بعد هزيمته في سوريا ـ يحث والده بالالتفات الى الاتحاد السوفييتي والاستفادة من دعوته الموجهة الى اقطار الشرق للتحرر والاستقلال.

ونجد "القبلة" ـ انعكاسا للتصدع الذي اصاب العلاقات مع بريطانيا ـ تشير الى اهمية المبادرات السوفييتية لتوطيد السلام في العالم من خلال انهاء الاستعمار ومنح الشعوب استقلالها، (وهذا ما حمل شعوب اوروبا ـ كما ذهبت "القبلة"ـ بتوجيه انظارها الى موسكو التي ترسل اليهم اشعة اراحتهم من الرضوخ الى القواعد التي تضغط على افكارهم وتجبرهم على تقديم ضحايا الانفس والاموال في سبيل تنفيذ برامج الحكومات الاستعمارية).

وذهبت في مقالة اخرى ـ بعنوان (العرب والموقف الحاضر) واستشهدت بتعزيز رأيها بأقوال احدى الصحف الغربية بقولها (ان مبادئ حرية الشعوب هي مبادئ الثورة الفرنسية الكبرى، ولقد حاول الرئيس ولسن ان يحييها في مذكراته، واما السوفييت فإنهم احيوها الآن بتمامها).

ولم يقف التحول البسيط الذي طرأ على سياسة الحجاز الخارجية عند هذا الحد وتطور الى لقاءات دبلوماسية مباشرة بين مسؤولي كل من الحجاز والاتحاد السوفييتي وهذا ما تم في مؤتمر (لوزان) في سويسرا سنة 1922 بين (ناجي الاصيل) ممثل الحجاز في المؤتمر، و(جيجيرين Chicherin) وزير الخارجية السوفييتي، ورئيس وفده للمؤتمر، وذلك في كانون الاول 1922.

اما ما دار في هذا اللقاء فتناول نقطتين تتعلق الاولى برغبة الحسين في تزعم العرب جمعيا، ثم العمل على اقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين.

وبخصوص النقطة الاولى، اوضح جيجيرين رأيه قائلا: (اننا نتعاطف جدا مع توحيد الشعب العربي، ولكننا لا نستطيع ان نتدخل في مسألة ما اذا كان هذا التوحيد مرغوبا فيه بشكل اتحاد تحت زعامة الحسين، او بشكل آخر ما. فذلك امر يعود للشعب العربي نفسه).

وردا على تعقيب الاصيل ـ إصرار ملكه لرئاسة (الحكومة الهاشمية) العربية ـ ذهب رئيس الوفد السوفييتي للتاكد من وجهة نظر ممثلي الاقطار العربية الاخرى بهذا الخصوص، وكلف احد موظفيه (فورفسكي) لاتمام هذه المهمة.

اما بخصوص إقامة العلاقات الدبلوماسية، فلم يتمكن الطرفان من إتمامها في هذا اللقاء، غير ان جيجيرين وقبيل مغادرته لوزان في 3 شباط 1922.

كلف (فوروفسكي) ايضا بمواصلة مفاوضاته بهذا الشأن الى جانب مهمته الاولى. الا ان اغتيال الاخير في 10 مايس 1923، حال دون اتمام المهمتين.

ومع ذلك فلم تتوقف هذه المفاوضات واستؤنفت بين ممثلي البلدين في (روما) في نيسان 1924، حتى تكللت باتفاق الطرفين على التبادل الدبلوماسي، وتقرر ان يكون للاتحاد السوفييتي في الحجاز ممثلية وقنصلية عامة، وان يكون للحجاز بالمقابل بعثة رسمية في الاتحاد السوفييتي.

كان (كريم عبد الغفور وفيج حكيموف) أول ممثل وقنصل سوفييتي عام لدى الحجاز.
وقد قام هذا، بعد وصوله جدة بتسليم اوراق اعتماده للحسين في 9 آب 1924، موقعة من قبل رئيس الدولة السوفيتية (كالينين) وكان في مقدمة هذه الاوراق رسالة وجهها كالنين الى الحسين، خاطبه فيها بـ (الصديق العظيم والطيب).

وعبر فيها عن سعادته لاقامة (علاقات صداقة وطيدة مستمرة) بين الاتحاد السوفيتي والحجاز.
وتمنى في ختام رسالته (لجلالته والشعب العربي الصديق الازدهار والتقدم).

اما اول مبعوث دبلوماسي حجازي لدى الاتحاد السوفيتي فكان الامير (حبيب لطف الله) وقد وصل موسكو في بداية تشرين الاول 1924  واستقبل من قبل مسؤولي وزارة خارجية الاتحاد السوفييتي، وخصص له وللوفد الحجازي الاماكن المخصصة لاقامتهم.

غير انه لم تسنح للحسين فرصة متابعة علاقاته الجديدة، بعد اضطراره للتنازل عن العرش في نفس الشهر الذي استقرت فيه سفارته في موسكو أي تشرين الاول 1924، إثر الهجوم الوهابي على الحجاز.

وقد عبر الاتحاد السوفييتي عن موقفه تجاه حرب الحجاز سنة 1914، بامله في خروج الحجاز من هذه المخاطر سالما.
اما موقف الحجاز من التقارب السوفييتي فكان سلبيا كما يبدو في عهد ملكية الملك علي قصيرة الامد.

وقد يمكن تفسير ذلك لاعتبارات اسلامية واخرى دبلوماسية ارضاءا لانكلترا آملا في الحصول على مساعدتها ضد الخطر الوهابي.

والحقيقة ليست لدينا نصوص تفصيلية بصدد الموقف الاخير، عدا إشارة بسيطة اوردتها جريدة (المفيد) العراقية، هدفت منها الاشارة الى موقف الملك على المناوئ للشيوعية الذي ضمنه في تصريح له بهذا الخصوص.
وقد جاء توضيح الجريدة الاخير بصيغة عبارة ادرجتها تحت صورة للملك علي.