نظريات التنمية ودول العالم الثالث.. الدولة ممثلةً للإرادة الحقيقية المستقلة لإدارة سياسات البلد الاقتصادية كان بإمكانها تحقيق ستراتيجيات مهمة في طريق النمو الاقتصادي



نظريات التنمية ودول العالم الثالث
Theories of development and Third World countries

يرى الباحث، بعد استعرض عدد غير قليل من نظريات التنمية الاقتصادية في العالم، منها ما هو مصنف ضمن التراث العلمي الاقتصادي بالنظريات الكلاسيكية، ومنها ما هو حديث، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى السنوات القريبة من هذا التاريخ.

حيث وجدت أن لكل نظرية مظاهر قوة وضعف، وأن كل نظرية جاءت لتعالج عيوب النظرية السابقة، وليس من الممكن أن يكون هناك إجماع على تعميم نظرية ما لكل دول العالم بعيداً عن البنى الارتكازية والمؤسسية لكل دولة.

بل إن الاختلافات في التنظير الكبير لموضوع التنمية يجعل من هذا الموضوع ذا أهمية خاصة وذا رؤية مثيرة وسبباً لزيادة البحث عما هو أفضل ولا اختلاف في ذلك.

ومما استطعنا أن نتلمسه من بعض النظريات التي صممت للتصدير سواء عن قصد أم غير ذلك أنها مضرة بمصلحة اقتصاديات الدول النامية، أو في الأقل هي أقرب للضرر بالنتائج لما يجب أن تكون عليه من مساهمة في عملية النمو الاقتصادي.

وهذا لا يعني نسف كل ما كتب من تنظير أو تجارب لأنشطة اقتصادية عالمية، ولكننا يمكن أن نتوصل إلى حقيقة إمكانية التعامل معها بعد أجراء التعديلات المناسبة التي تتلاءم والخصائص الاجتماعية والمؤسسية والهيكلية التي تتميز بها دول العالم الثالث.

وهذا يعني أن في عملية التنمية لدول العالم الثالث توازنات إنتاجية وسوقية وسعرية يجب الأخذ بها، إلى جانب التدخلات الحكومية التي يجب أن تسعى لتحقيق التوازن في عدالة التوزيع في المجالات كافة لإحداث نتائج اقتصادية واجتماعية تنموية، وأن تساهم الدولة والسوق الحرة في وضع الحلول المبدئية لمشاكل المجتمع كالفقر والنمو السكاني والتجارة الدولية والسياسة السعرية والعمالة والخصخصة والاستثمارات الخارجية وغيرها.

ومما يلاحظ على بعض النظريات أنها أعطت الدور الرئيس  في التنمية إلى السوق الحرة، ولم يكن للدولة أي دور في التخطيط لعملية النمو، وحيث أننا نرى أنه كلما كانت الدولة ممثلةً للإرادة الحقيقية المستقلة لإدارة سياسات البلد الاقتصادية كان بإمكانها تحقيق استراتيجيات مهمة في طريق النمو الاقتصادي.

إذ أن الدول النامية ومنها بلدان الوطن العربي تمتلك الأسباب الموضوعية في رسم السياسات الاقتصادية للنمو الاجتماعي والاقتصادي كالموارد البشرية والطبيعية والتخطيط الاقتصادي باستثناء دور الدولــة، وحيث أن إرادة الدولة التي ترى أن معالجة الفساد وعدم الكفاءة وإيجاد الحوافز الاقتصادية المناسبة وخصخصة بعض المشاريع الإنتاجية والخدمية واتباع سياسات سعرية لها أثرها المنظم لعملية التجارة الخارجية مع حماية المنتوج المحلي والتركيز على الصناعات التصديرية والترحيب بالمستثمرين وفقاً لما يضمن مصالح الدولة السيادية والاقتصادية، ستؤدي إلى توازن واستمرار في عملية النمو الاقتصادي.

ولا بد من التذكير بنظرية المثال الكاذب الذي يضع الحلول المعقدة أو التي تقود إلى نتائج عكسية في دول العالم الثالث فيما لو اعتمدت هذه الدول على استيراد الخطط الاقتصادية الجاهزة من دول العالم الأول.

ولنا من اقتصاديات الصين وماليـزيا خير تجربة لما ذهبنا إليه (عندما استقلت الصين عام 1949 كان الاقتصاد الصيني يعاني من الاضطراب بسبب الحرب والتضخم وكان من مهام الحكومة بناء النظام الاقتصادي العام وإزالة البطالة والمجاعات المنتشرة، وكان عدد سكانها آنذاك حوالي المليار نسمة، وثلثا أراضيها تعتبر جبلية وصحراوية، وعشرها فقط هو المزروع، كان الاعتماد الرئيس في البناء على التجربة السوفيتية سرعان ما تلاشت بسبب الخلافات السياسية، وتمكنت الدولة من الاعتماد على النفس وإعادة توجيه أكبر الاستثمارات الزراعية.

وبعد مدة من النمو أحدث السياسيون ثورة ثقافية، حيث تم حقن الاقتصاد بأيدلوجية محددة وهي مقاطعة المنتجات الأجنبية وفي العام 1975 وضعت الحكومة خطة حتى العام 2000 لتصبح ذات قوة اقتصادية كبرى، وعرفت هذه الخطة في حينها ببرامج التحديث، وكانت على أربع مراحل، وكانت مضامينها تركز على رفاهية المستهلك وزيادة الإنتاجية والاستقرار السياسي وتأكيد زيادة الدخل الشخصي وزيادة الاستهلاك، وإنتاج منتجات جديدة في ظل وجود نظام الحوافز.

كما عمدت الحكومة إلى تخفيض دور الإدارة المركزية وجعلها مختلطة حيث عملت على وجود قانون تشريع الإصلاح الزراعي، وخفضت عبء الضرائب على المشاريع غير الحكومية، وعملت على توفير تسهيلات الاتصال المباشر بين الصينيين والشركات التجارية الأجنبية.

وكانت نتيجة هذه الإصلاحات المبنية على الخلط بين الاتجاه المركزي والمبادرة أن تكون الصين في الوقت الحاضر ذات المليار وثلاثمائة مليون نسمة لاعباً دولياً بارزاً في الصناعات، وخاصة تلك التي تركز على القوى العاملة، وتنتج المصانع الصينية الآن 70% من إلالعاب والدمى في العالم و60% من الدراجات الهوائية ونصف إنتاج العالم من الاحذية وثلث إنتاجه من الحقائب.

ويستحيل في العادة أن تجد منتجات غير صينية من هذه الاصناف على رفوف المتاجر في العالم، ومع ذلك فليست الصناعات المتواضعة هي الوحيدة التي تلعب بها الصين دوراً مهماً في العالم، إذ إنها تنتج ربع الإنتاج العالمي من الغسالات وخمس إنتاجه من البرادات ونصف إنتاجه من الأفران وكل هذه المنتجات هي الجزء الأكثر نمواً في صادرات الصين.

وأخيراً نقول إن إنتاج الصين لن يكون باتجاه التقدم أفقياً، ولا بد من التذكير بشعار ماوتسي تونغ "اتجه بشكل ملتو لكن اتجه للأمام بشكل صريح.