الملحق بنعم وبئس لإنشاء المدح أو الذم.. فعل ثلاثي مجرد على وزن (فَعُلَ) على شرط أن يكون صالحاً لأنْ يُبنى منه فعلُ التعجب



الملحق بنعم وبئس لإنشاء المدح أو الذم:

قد يجري مَجرى (نِعْمَ وبئسَ) - في إنشاء المدح أو الذمّ - كل فعلٍ ثلاثي مجرَّد، على وزن (فَعُلَ) - المضمومِ العين - على شرط أن يكون صالحاً لأنْ يُبنى منه فعلُ التعجب، نحو: "كرُمَ الفتى زهيرٌ!" و "ولَؤمَ الخائنُ فلانٌ!".

فإن لم يكن في الأصل على وزن (فَعُلَ)، حوَّلته إليه، لأنَّ هذا الوزن يَدُلُّ على الخِصال والغرائز التي تستحق المدح أو الذَّم، فتقولُ في المدح من (كتبَ وفهِمَ): "كتُبَ الرجلُ خالدٌ! وفَهُم التلميذُ زهيرٌ!"، وتقول في الذم من "جَهِل وكذَبَ": "جَهُل الفتى فلانٌ! وكذُبَ الرجلُ فلانٌ!".

الفعل مُعتل الآخر:

فإن كان الفعلُ مُعتَلَّ الآخر، مثلُ: "قضى ورمى وغزا ورضِيَ وصَدِي"، قلْتَ آخرَهُ واواً عندَ نقله إلى باب (فَعُلَ)، لتُناسبَ الضمة قَبلها، فتقول: "قضُوَ ورَمُوَ وغَزُوَ ورَضُوَ وصدُوَ".

الفعل مُعتل العين:

وإن كان معتلَّ العين، مثل: "جادَ وسادَ"، بقيَ على حاله، وقُدِّرَ النّقل إلى باب (فَعُلَ)، لأنك لو قلتَ: "جَوُدَ وسَوُد"، لَعادت الواوُ ألفاً، لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها.

ومن هذا الباب (ساء) - المتقدّمُ ذكرُه مع (نِعْمَ وبِئس) - فإنه لما أُريدَ به معنى (بئس)، حُوّل إلى باب (فَعُلَ) فصار "سَوْاَ"، ثم قُلِبَتِ الواوُ أَلفاً لأنها متحركةٌ مفتوحٌ ما قبلها، فَرَجعَ إلى "ساءَ". وإنما يُذكرُ مع "نِعْمَ وبِئسِ"، لأنهُ يجريّ مَجراهما في كل أمر، يُخالفُهما في حُكم.

واعمل أنه يجوزُ فيما يجري مَجرى "نِعْمَ وبِئسَ"، سواءٌ أكان مضمون العين أصالةً أو تَحويلاً، أن تَسكُنَ عينُهُ، مثل: "ظَرْفَ وفُهْمَ" وأن تُنقَلَ حركتُها إلى فائِه، نحو: "ظُرْفَ وفُهْمَ"، وعليه قولُ الشاعر:
لا يَمْنَعُ الناسُ مني ما أرَدْتُ، ولا -- أُعطيهِم ما أرادوا! حُسْنَ ذا أدَبا!

أي حسن هذا أدباً، فذا: اسم إشارة فاعل. وأدباً تمييز، والواو في قوله: "ولا أعطيهم" واو المعية التي ينتصب الفعل بعدها بأن مضمرة، فأعطيهم منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد واو المعية المسبوقة بنفي. وكان حقه أن يظهر الفتحة على الياء لخفتها لكنه أضمرها ضرورة.

يقول: "ما أحسن ان لا يمنع الناس مني ما أردت من مالهم ومعونتهم مع بذلي لهم ما يريدون مني من مال ومعونة".
يقول ذلك منكراً على نفسه أن يعينه الناس ولا يعينهم. فحسن: للمدح والتعجب. وأراد بها هنا التعجب الإنكاري.

وقيل في معناه: يريد أن يقهر الناس فيمنعهم ما يريدون منه، ولا يستطيعون أن يمنعون ما يريد منهم لعزته وسطوته. وجعل هذا أدباً حسناً. والصواب ما قدمناه، لأن ما قبله من القصيدة يدل على ذلك وهو قوله:
قَد يَعْلَمُ الناسُ أني من خيارِهم -- في الدِّينِ ديناً، وفي أحسابهمْ حَسبَا

واعلم أن الأدب الذى كانت تعرفه العرب: هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم؛ كترك السفه، وبذل المجهود، وحسن اللقاء. واصطلح الناس بعد الاسلام بمدة طويلة على أن يسموا العالم بالنحو والشعر وعلوم العرب "أديبا" وأن يسموا هذه العلوم "الأدب". وذلك كلام مولدٌ لم تعرفه العرب بهذا المعنى، لأن هذه العلوم قد حدثت في الاسلام.

ويُفيدُ ما يجري مجرى "نِعْمَ وبِئسَ" - معَ المدحِ أو الذَّم - التَّعَجُّبَ، ومعنى التعجب فيه قويٌّ ظاهرٌ، كما رأيتَ. حتى إن بعضَ العلماءِ ألحقهُ بباب التعجب. والحقُّ أنه مُلحقٌ بالبابين، لتضمُّنهِ المعنيين، لذلك تجري عليه أحكامُ ها البابِ وأحكام ذلك من بعض الوجوه كما ستعلم.

حكم الملحق بنعم وبئس:

يجري ما يُلحقُ بِنعم وبِئسَ مَجراهما، من حيثُ الجُمودِ وإنِشاء المدحُ والذَّم، (إلا أنهُ يَتضمَّنُ أيضاً معنى التعجب، كما تقدّم)، وكذلك من حيثُ الفاعلِ والمخصوصِ.

حكم الفاعل:

فيكونُ فاعلهُ، كفاعلهما، إِمّا اسماً ظاهراً مُعرّفاً بألْ نحوُ: "عَقُلَ الفتى زهيرٌ!"، أو مَضافاً إلى مُقترنٍ بها، نحو: قَرُؤ غلامُ الرجل خالدٌ!".
وإما ضميراً مستتراً بنكرةٍ بعدَهُ منصوبة على التمييز، نحو: "هَدُوَ رجلا عليٌّ!".

غير أنَّ فاعله الظاهرَ يُخالفُ فاعلهما الظاهر في أمرين:
  • الأول: جوازُ خُلُوِّهِ من (ألْ) نحو: "خطُبَ عليٌّ!" ولا يجوز ذلك في فاعلِ: "نِعْمَ وبِئسَ".
  • الثاني: أنه لما أَفادَ فعلهُ - مع المدح أو الذْمّ - التعجُّبَ جاز أن يُجرَّ بكسرةِ باءٍ زائدةٍ تشبيهاً له "بأفعِلْ به" في التعجُّب، نحو: "شَجُع بخالدٍ!". ولا يجوز ذلك في فاعلهما.

الفاعل المضمر:

أَما فاعله المَضمَرُ العائدُ على التمييز بعده فَيوافقُ فاعلَها المُضمر في أَنَّ الفعل معه يجوز أن يكون بلفظٍ واحدٍ للجميع، نحو: "المجتهدةُ حسُن فتاةً، والمجتهدانِ حَسُن فَتَييْنِ والمجتهدون حَسُن فِتياناً"، والمجتهداتُ حَسُنَ فتياتٍ". كما تقول: "المجتهدةُ نعمَ فتاةً، والمجتهدانِ نعمَ فتَييْن" الخ.

ويُخالفُه في جواز أن يكون على وَفقِ ما قبله إفراداً وتثنية وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً، نحو: المجتهدُ حَسُن فتًى، والمجتهدةُ حَسُنتْ فتاةً، والمجتهدانِ حَسُنا فَتَييْنِ والمجتهدونَ حَسنُوا فِتياناً، والمجتهداتُ حَسُنَ فَتياتٍ".

ولا يجوز في "نعم وبئس" إلا أن يكونا بلفظٍ واحد، وذلك بأن يكون فاعلهما المَمضمرُ مفرداً عائداً على التمييز بعده إلا ما كان من جواز تأنيثه، اذا عاد على مؤنثٍ، كما تقدَّم.