النظام الإمبريالي الرأسمالي والعولمة الاقتصادية.. تحقيق نظام دولي يستوعب قوى الإنتاج بالشكل الذي يحقق تقسيماً دولياً للعمل يتحقق فيه العدالة لجميع الشعوب



النظام الإمبريالي الرأسمالي والعولمة الاقتصادية
Imperialist capitalist system and economic globalization

الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية والعولمة الاقتصادية هي الولادة الطبيعية للرأسمالية، فمنذ مدرسة التجاريين إلى الرأسمالية الصناعية ثم إلى الكنزية ومع حدوث الثورة الصناعية الأولى وتعدد نظريات الاقتصاد على أيدي آدم سمث وديفيد ريكاردو وتوماس مالتوس وجون ستيوارت وآخرون... نجد بوضوح التطور التاريخي للرأسمالية وعبر هذه المراحل قامت الرأسمالية على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج واستغلال العمل المأجور مستندة بذلك على قانون العرض والطلب وآلية السوق.

وكنتيجة للثورة الصناعية زاد الإنتاج وفاض عن حده ما تطلب ذلك البحث عن أسواق تستوعب هذه الزيادة عن الحاجة للسوق المحلية، برزت الظاهرة الاقتصادية وتوسعت وكان السبب لتتحول الرأسمالية إلى أعلى مراحلها ألا وهي المرحلة الإمبريالية وذلك عن طريق الأحتلال والنهب للثروات والسيطرة على المواد الأولية.

وإذا علمنا أن الولايات المتحدة الأمريكية تروج العولمة على أنها حتمية تاريخية ويجب على الجميع أن يتكيفوا معها ويندمجوا بها ولا خيار لهم آخر، فإننا نرى، في المقابل، أن الوعي في تنام خلال العشر سنوات الماضية لدى شعوب العالم ضد العولمة، وهذا أمرٌ ضروري لمواجهة خطر العولمة الأمريكية، خاصة إذا ما أضفنا لذلك أن الاقتصاد الأمريكي يعاني اليوم من أزمات أقتصادية - إجتماعية خانقة والتي تمثل أزمات النظام الرأسمالي العالمي.

فعلى الصعيد الاقتصادي أصبحت أمريكا تستهلك أكثر مما تنتج وتستورد أكثر مما تصدر، وفي السنوات الأخيرة سجلت أمريكا أعلى حالات الإفلاس في كل تاريخها المعاصر (أكثر من 700 ألف حالة أفلاس) كذلك عانت من أكبر عجز مالي في العالم والذي تجاوز 400 مليار دولار.

أما ديونها فقد تجاوز العجز فيها كل الأرقام القياسية بعد أن أصبح يزيد على 3000 مليار دولار أي أكثر من 1,5 ضعف إجمالي الديون المترتبة على كل دول العالم الأخرى، وهناك أكثر من 15 مليون شخص عاطل عن العمل أي 8% من إجمالي القوة العاملة.

وقد تراجعت إلى الدولة رقم 13 من حيث الإنفاق على الصحة والدولة رقم 17 من حيث الإنفاق على التعليم ورقم 29 من حيث عدد العلماء بالنسبة لأجمالي السكان، حيث لديها 55 عالماً وفنياً لكل 1000 نسمة مقابل 317 عالماً وفنياً لكل 1000  نسمة في اليابان.

 وإذا قارنا تلك النتائج بالأرقام بأوربا الموحدة أو اليابان والصين من جهة أخرى يتبين ما يأتي:
إن الناتج القومي لأوربا يزيد على 7 تريليون دولار عدا قدراتها العلمية والتكنولوجية  التي تضاهي أمريكا، وبإمكان أوربا أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في العالم خلال القرن الواحد والعشرين.

أما بالنسبة لليابان والتي تمثل اليوم الموقع الثاني في مستوى المعيشة في العالم حيث يصل متوسط دخل الفرد السنوي إلى  23.800 دولار، فهي الدولة الأولى في السيولة في العالم وحجم الاستثمارات الخارجية وهي الأولى من حيث الأصول الوطنية التي تبلغ 43.7 تريليون دولار مقابل 36.2 تريليون في أمريكا وهي الأولى في تصنيع منتجات الحديد والصلب وفي إنتاج السفن التجارية العملاقة وهي الأولى من حيث المكننة الصناعية.

أما بالنسبة للصين فإنها الدولة الأولى من حيث عدد السكان 22% من سكان العالم، وتشير كافة المصادر إلى أنها تقترب وبشكل سريع إلى قمة قائمة أكبر الدول الصناعية في العالم، فالاقتصاد الصيني هو الاقتصاد الأكثر نمواً في العالم خاصة خلال السنوات الأخيرة.

وبعد عودة هونك كونك إلى الوطن الأم فإن الاقتصاد الصيني سيصبح الاقتصاد الثالث في العالم، وإذا استمر معدل النمو للناتج القومي الصيني على هذا المعدل فإنه سيصبح 1.5 ضعف الاقتصاد الأمريكي بحلول عام 2020م. كما ورد المزيد عن التجربة الصينية في الفصل الثاني من الباب الأول.

أما بالنسبة للوطن العربي: فإنه كما وردت البيانات التفصيلية في الفصل الأول من الباب الأول، فإنه يشكل 4.4% من سكان العالم ويأتي بالمرحلة الرابعة بعد الصين والهند وأمريكا، وبعده أندونوسيا، ومساحته تشكل 10% من مساحة اليابسة في العالم، حيث ارتفع الناتج القومي الإجمالي لمجموع الدول العربية من 368 مليار دولار عام 1987 إلى 580 مليار دولار عام 1996 أي بنسبة نمو31%.

كل ذلك يؤكد حقيقة نمو اقتصاديات دولية من الممكن أن تشكل قوى أقتصادية سياسية تعيد التوازن الدولي بصيغ تجعل من انفراد أمريكا أمراً مستحيل الاستمرار. ويؤكد ظهور توازنات دولية جديدة متعددة الأقطاب بما يحقق نظاماً دولياً يستوعب قوى الإنتاج بالشكل الذي يحقق تقسيماً دولياً للعمل يتحقق فيه العدالة لجميع الشعوب.

إن الوطن العربي لا بد أن يعرف تماماً أن العولمة سوف تخضع جميع اقتصادياته إلى التفكك والاختراق بوسائل كثيرة منها القنوات الفضائية والألكترونيات والحواسيب والأنترنت ووسائل الاتصال الجديدة والعلوم الفيزياوية والجينية والبيئية والطبيعية والاجتماعية، وأدوات التغيير المرحلية هي التكتلات الاقتصادية والثورة الموسوعية والمعلوماتية والتي تمثل بالجمعها وسائل الاختراق والسيطرة، والدول العربية معرضة أكثر من غيرها للاختراقات، بسبب كونها تحمل مؤشرات الضعف ومنها اختلال الهياكل الاقتصادية وخضوع أغلب مؤسساتها المالية والاقتصادية تحت رحمة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتراجع القطاع الزراعي الذي وقع تحت وطأة العولمة بسبب تدخل الشركات والاستثمارات الأجنبية التي تعمل على تدويل وحدات الاقتصاد الوطني، وتعاني اقتصادياتها كذلك من تخلف قوى الإنتاج وانخفاض الإنتاجية وكثرة المديونية.