العراقُ بينَ حلمِ الديمقراطيةِ وواقعِ الاستبداد: مسارِ الأحزابِ السياسيةِ في العراقِ بين الإجازة والمنع



فجرٌ جديدٌ للعراق: تأسيس الأحزاب السياسية في أعقاب الحرب العالمية الثانية

مقدمة:

في خضمّ أجواءِ الانتصارِ على قوى المحورِ في الحربِ العالميةِ الثانية، عاشتْ العراقُ مرحلةً جديدةً من تاريخها السياسيّ، تميّزتْ بِظهورِ أحزابٍ سياسيةٍ مُتنوّعةٍ، عبّرتْ عن طموحاتِ الشعبِ العراقيّ وتطلّعاتِهِ لمستقبلٍ أفضل.

حمدي الباججي يُعلنُ عن حكومةٍ ديمقراطية:

معَ إعلانِ انتهاءِ الحربِ في 27 ديسمبر 1945، تولّى حمدي الباججي رئاسةَ الحكومةِ العراقيةِ، وألقى خطابًا أكّد فيه على مبدأِ الديمقراطيةِ كركيزةٍ أساسيةٍ للحكمِ، ودعا إلى تأسيسِ أحزابٍ سياسيةٍ حرةٍ تُعبّرُ عن آراءِ الشعبِ.

استقالةُ الباججي وتشكيلُ حكومةٍ جديدة:

بعدَ إلقاءِ خطابِهِ، قدّمَ الباججي استقالتهُ من رئاسةِ الوزارةِ، وكُلّف توفيق السويدي بتشكيلِ حكومةٍ جديدةٍ. اتّخذتْ الحكومةُ الجديدةُ خطواتٍ جادةً لِإعادةِ الحياةِ الطبيعيةِ إلى البلادِ بعدَ الحربِ، ووضعتْ برنامجًا سياسيًا تضمّنَ تشجيعَ تأسيسِ الأحزابِ السياسيةِ.

خمسةُ أحزابٍ جديدةٍ تخرجُ إلى النور:

استجابةً لِرغبةِ الحكومةِ ودعوتها، تقدّمَ عددٌ من القادةِ والسياسيينَ بطلباتٍ لِتأسيسِ أحزابٍ سياسيةٍ. وفي 2 نيسان 1946، أجازتْ وزارةُ الداخليةِ تأسيسَ خمسةِ أحزابٍ رئيسيةٍ، هي:
  • حزب الاستقلال: حزبٌ قوميّ يؤكّد على القوميةِ العربيةِ ويدعو إلى الوحدةِ العربيةِ، كما يدعو إلى نوعٍ من الإصلاحِ الاجتماعيّ المعتدل. ضمّ في عضويتهُ كبارَ الشخصياتِ الوطنيةِ مثل محمد مهدي كبه وصديق شنشل وفائق السامرائي.
  • حزب الأحرار: حزبٌ يضمّ أغلبَ أعضائه من السياسيينَ القدامى المعتدلين وبعضَ الإقطاعيين. دعا إلى بعضِ الإصلاحاتِ الاجتماعيةِ، وتولّى توفيق السويدي رئاستهُ ثم سعد صالح.
  • الحزب الوطني الديمقراطي: حزبٌ يميلُ إلى اليسارِ، لكنّه يُؤكّد على الديمقراطيةِ والحرياتِ السياسيةِ أكثرَ من تأكيدهِ على الاشتراكيةِ. ضمّ في عضويتهِ كبارَ الشخصياتِ السياسيةِ مثل كامل الجادرجي وحسين جميل ومحمد حديد.
  • حزب الاتحاد الوطني: حزبٌ اشتراكيّ يميلُ إلى اليسارِ، ويُعدّ عبد الفتاح إبراهيم رئيسهُ. دعا إلى سياسةٍ اشتراكيةٍ أكثرَ من تأكيدهِ على الحرياتِ الفرديةِ.
  • حزب الشعب: حزبٌ اشتراكيّ آخرُ يميلُ إلى اليسارِ، ويُعدّ عزيز شريف رئيسهُ. دعا إلى سياسةٍ اشتراكيةٍ حماسيّةٍ، وأيّد سياسةَ الاتحادِ السوفيتيّ.

محاولاتٌ لِتأسيسِ أحزابٍ مصطنعة:

في أواخرِ الأربعينياتِ وأوائلِ الخمسينياتِ، حاولتْ الفئةُ الحاكمةُ تأسيسَ بعضِ الأحزابِ المصطنعةِ لِمواجهةِ الأحزابِ المعارضةِ. فقام نوري السعيد بتأسيسِ حزبِ الاتحادِ الدستوريّ، واصف جبر بتأسيسِ حزبِ الأمةِ الاشتراكيّ.

نهايةُ الأحزابِ السياسيةِ في العراق:

في عامِ 1954، أقدمَ نوري السعيد على خطوةٍ استبداديةٍ تمثّلتْ في إلغاءِ جميعِ الأحزابِ السياسيةِ العلنيةِ. وبهذه الخطوة دخلتْ العراقُ في مرحلةٍ جديدةٍ من تاريخها السياسيّ تميّزتْ بالقمعِ والاستبدادِ. وبذلك، انتهتْ حقبةٌ من الديمقراطيةِ النسبيّةِ، وفتحتْ البابَ أمامَ نظامٍ شموليّ سيطرَ على مقاليدِ الحكمِ لِسنواتٍ طويلةٍ.

آثارُ إلغاءِ الأحزابِ السياسية:

كانَ لإلغاءِ الأحزابِ السياسيةِ في العراقِ آثارٌ سلبيةٌ عديدةٌ، منها:
  • تراجعُ الحرياتِ السياسيةِ والمدنيةِ: قيّدتْ الحكومةُ حريةَ التعبيرِ والتجمعِ، وفرضتْ رقابةً صارمةً على وسائلِ الإعلامِ.
  • ضعفُ المشاركةِ الشعبيةِ في الحياةِ السياسيةِ: ابتعدَ المواطنونَ عن المشاركةِ في الشؤونِ العامةِ، وفقدوا الأملَ في إحداثِ تغييرٍ إيجابيّ.
  • صعودُ التياراتِ المتطرفةِ: أدّى غيابُ الأحزابِ السياسيةِ المعتدلةِ إلى صعودِ التياراتِ المتطرفةِ، ممّا أدّى إلى المزيدِ من العنفِ والاضطراباتِ.

دروسٌ مستفادةٌ من التجربةِ العراقيةِ:

تُؤكّدُ التجربةُ العراقيةُ على أهميةِ وجودِ أحزابٍ سياسيةٍ حرةٍ ومُتنوّعةٍ لِضمانِ استقرارِ المجتمعِ وتقدّمهِ. فالأحزابُ السياسيةُ تُمثّلُ آراءَ الشعبِ وتطلّعاتِهِ، وتُساهمُ في صياغةِ السياساتِ العامةِ وتنفيذها.

أملٌ في مستقبلٍ ديمقراطيّ:

على الرغمِ من التحدياتِ الكبيرةِ التي تواجهُها العراقُ، إلا أنّ الأملَ في مستقبلٍ ديمقراطيّ لا يزالُ موجودًا. فالشعبُ العراقيّ يُدركُ أهميةَ الديمقراطيةِ والحرياتِ السياسيةِ، ويسعى جاهدًا لِتحقيقِها.

خاتمة:

إنّ تأسيسَ الأحزابِ السياسيةِ في العراقِ بعدَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ كانَ خطوةً هامّةً على طريقِ الديمقراطيةِ والتعدديةِ السياسيةِ. على الرغمِ من أنّ هذه التجربةَ قد انتهتْ بِإلغاءِ الأحزابِ السياسيةِ، إلا أنّها تُمثّلُ درسًا هامًا لِلعراقيينَ ولِلعالمِ العربيّ بِأكملهِ. فالديمقراطيةُ لا تُبنى على ليلةٍ وضحاها، بل تتطلّبُ نضالًا وتضحياتٍ من جميعِ فئاتِ المجتمعِ.