الثقافة عند ستيفن جرينبلات.. الأدب من أبرز المؤسسات التى تعمل على فرض الحدود الثقافية وتأكيدها من خلال المدح



الثقافة عند ستيفن جرينبلات:

يشير ستيفن جرينبلات S. Greenblatt إلى أن المصطلح يشير إلى أمور قد تبدو متناقضة، وجوانب قد تبدو متعارضة مما يجعل الثقافة ذاتها تتضمن نوعاً من التقابل بين أمرين يمثل الأول منها جانب الكبح أو التقييد Constraint بينما يمثل الجانب الآخر جانب الحركية Mobility.

وبين هذين الجانبين ومن خلال تحققهما أو امتزاجهما فى كل شكل من أشكال الثقافة تبرز الثقافة باعتبارها نظاماً من أنظمة الحدود Limits ونسقاً من أنساق الضبط والتحكم يتضمن فى إطاره السلوك الاجتماعي كما يشتمل على مجموعة من النماذج والأنماط التى ينبغى أن يمتثل لها الأفراد ويتكيفون معها.

نظام من الحوافز:

يتساءل جرينبلات عن كيفية التوصل إلى مفهوم للثقافة يكون - بما يقدمه - أكثر فائدة فى مجالات الحياة وبخاصة فى مجال دراسة الأدب، وعلى الرغم من أن تجاوز أنظمة الحدود وأنساق التحكم قد لا يقابله إجراءات حاسمة أو عقوبات صارمة كغيره من صور التجاوز إذ قد يكتفي فيه بمجرد كلمة لوم أو نظرة ازدراء أو بسمة سخرية، فإن حدود الثقافة يمكن أن تقدم نظاماً من الحوافز يمتد إيجاباً من التعظيم والتكريم حتى تقديم الجوائز وشهادات التقدير لمن يحافظ على تلك الحدود فلا يتعداها مما يمنح تلك الحدود - على مر الزمن - سلطة كافية لتوجيه العقول وبسط سلوكيات معينة وإقصاء سلوكيات أخرى.

الأدب وفرض الحدود الثقافية:

وهنا - كما يؤكد جرينبلات - يمكن القيام بالخطوة الأولى نحو استخدام الثقافة فى دراسة الأدب، فالأدب من أبرز المؤسسات التى تعمل على فرض الحدود الثقافية وتأكيدها من خلال المدح Praise أو اللوم Plame.
ويتضح ذلك بدرجة كبيرة من الأنواع الأدبية أو النصوص والآثار الأدبية التى تقوم على المدح والهجاء، ومثل هذه الأعمال (قصائد المدح والهجاء) غالباً ما تبدو على قدر كبير من الأهمية والتأثير عند ظهورها للمرة الأولى حال كتابتها أو إنشادها.

غير أن تلك الأهمية وذلك التأثير يأخذان فى التلاشى والشحوب عندما يذهب الأفراد الذين تشير إليهم تلك الأعمال بذهاب الأحداث التى دعت إلى ظهور تلك النصوص، أو بتغير النماذج والحدود التى كانت سائدة وملزمه إبان إنتاج تلك الأعمال.
وعلى الرغم من أن استعادة تلك الأعمال فى طبعات أحدث يمكن أن يزودنا بالتواريخ أو الشروح أو الشخصيات التى طواها النسيان لكنها لا تستطيع أن تستعيد أحاسيس المتعة أو الألم أو الغضب أو السخط أو غيرها من المشاعر التى أثارتها فى قرائها أو مستمعيها أو متلقيها الذين تلقوها من قبل لأول مرة.

الوعي بالثقافة:

وهنا يمكن أن نتفق مع "جرينبلات" في أن الوعي بالثقافة كلا مركباً يمكن أن يساعدنا فى استعادة هذه المعاني واسترداد تلك الأحاسيس وذلك يدفعنا دفعاً إلى إعادة بناء تلك الحدود وتشكيل تلك الظروف التي قامت عليها تلك الأعمال الأدبية عند ظهورها لأول مرة، كما يمكن تدارك ذلك عن طريق توجيه قدر أكبر من الاهتمام نحو المعتقدات والممارسات والتقاليد التى دفعت ضمناً إلى إنشاء الأعمال الأدبية القائمة على المدح أو الهجاء.

ويبدو توظيف هذا النظام من الحدود System of constraints الذى تتضمنه الثقافة فى عدد من الأعمال الأدبية العظيمة، ففي قصيدة شكسبير As you like it "كما تحب" لم تكن شكوى "أورلاندو" المرة من أنه حرم من ميراثه وأقصى عنه لكن بسبب منعه من ممارسة وتعلم سلوكيات وشؤون طبقته من النبلاء ليدل على زمن كانت فيه السلوكيات دلالة على تمايز الطبقات واختلاف المنازل.

وحين كتب "ادموند سبنسر" Edmund Spencer ملحمته العظيمة "الملكة الجميلة" The fainie queene كان الغرض منها تصور رجل نبيل فى نظام أخلاقى تهذيبى قيمي والملحمة نفسها بكل فرسانها وسيداتها وصورها ومشاهدها الخيالية اللانهائية تتركز بصورة أساسية على التجاذب الواضح بين عنصرى الثقافة: الكبح أو التقييد Constraints والحركة Mobility.


0 تعليقات:

إرسال تعليق