اختلاف لهجات الشعر الجاهلي.. تعدد القبائل العدنانية في لغتها ولهجتها ومذهبها في الكلام وتباين لهجات أشعارها



يتحدث طه حسين عن الشعر الجاهلي واللهجات الشمالية، فيحاول أن يتخذ من ذلك مطعنا جديدا في أصالة الأدب الجاهلي، وصدقه، فيقول: فالرواة مجمعون على أن قبائل عدنان لم تكن متحدة اللغة، ولا متفقة اللهجة قبل أن يظهر الإسلام، فيقارب بين اللغات المختلفة، ويزيل كثيرا من تباين اللهجات.
وكان من المعقول أن تختلف لغات العرب العدنانية، وتتباين لهجاتهم قبل ظهور الإسلام.

فإذا صح هذا كله كان من المعقول جدا أن تكون لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لغتها ولهجتها ومذهبها في الكلام، وأن يظهر اختلاف اللغات وتباين اللهجات في شعر هذه القبائل الذي قيل قبل أن يفرض القرآن على العرب لغة واحدة ولهجات متقاربة، ولكننا لا نرى شيئا من ذلك في الشعر الجاهلي.

فأنت تستطيع أن تقرأ هذه المطولات أو المعلقات التي يتخذها أنصار القديم نموذجا للشعر الجاهلي الصحيح، فسترى ان فيها مطولة لامرئ القيس، وهو من كندة أي من قحطان، وأخرى لزهير، وأخرى لعنترة، وثالثة للبيد، وكلهم من قيس، ثم قصيدة لطرفة، وقصيدة لعمرو بن كلثوم، وقصيدة أخرى للحارث بن حلزة، وكلهم من ربيعة.

تستطيع أن تقرأ هذه القصائد السبع دون أن تشعر فيها بشيء يشبه أن يكون اختلافا في اللهجة، أو تباعدا في اللغة، أو تباينا في مذهب الكلام: البحر العروضي هو هو، وقواعد القافية هي هي، والألفاظ مستعملة في معانيها كما تجدها عند شعراء المسلمين، والمذهب الشعري هو هو. كل شيء في هذه المطولات يدل على أن اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تأثيرا ما.

فنحن بين اثنتين: إما أن نؤمن بأنه لم يكن هناك اختلاف بين القبائل العربية من عدنان وقحطان، لا في اللغة، ولا في اللهجة، ولا في المذهب الكلامي، وأما أن نعترف بإن هذا الشعر لم يصدر عن هذه القبائل، وإنما حمل عليها بعد الإسلام حملا". ثم ينتهي إلى القول: "ونحن إلى الثانية أميل منا إلى الأولى. فالبرهان القاطع قائم على أن اختلاف اللغة واللهجة كان حقيقة واقعة بالقياس إلى عدنان وقحطان".

والحق أن طه حسين قد جانبه الصواب، لأن ما بين أيدينا من شعر جاهلي يدل دلالة قاطعة على أن القبائل العربية الشمالية قد اصطلحت فيما بينها على لهجة أدبية فصحى، كان الشعراء على اختلاف قبائلهم وتباعدها ينظمون فيها شعرهم، وأن هذه اللغة، التي سنسميها "اللغة الموحدة"، قد انصهرت فيها اللهجات العربية، وتفاعلت في عملية تنقية وتهذيب، فما استجيد منها ضُمّ إلى الفصحى رصيدا لغويا. وما استقبح نفي عنها، وأبعد منها ليظل على حاله مستعملا في اللغة العادية، لغة الحياة اليومية.

لأن هذه اللغة الموحدة هي التي تستوعب كل الاحتياجات على المستويات العليا، وتتسع لإلقاء الخطب في المؤتمرات، وصياغة الاتفاقيات، وإبرام المعاهدات، وإلقاء الشعر في الأسواق، وإن الذين يتعاملون بها هم صفوة من الناس، تميزوا من غيرهم بسعة الثقافة، ورقة الإحساس، ورفعة الذوق، فكان لا بد أن تكون لهم لغة خاصة تستعلي على لغة الحياة اليومية، وما فيها من لهجات، رأوا أنها معيبة وقبيحة، يجب الترفع باللغة النموذجية عنها.

قال بروكلمان: "ولا شك أن لغة الشعر القديم هذه لا يمكن أن يكون الرواة والأدباء اخترعوها على أساس كثرة من اللهجات الدارجة، ولكن هذه اللغة لم تكد تكون لغة جارية في الاستعمال العام، بل كانت لغة فنية قائمة فوق اللهجات، وإن غذتها جميع اللهجات".

وإذا قرأنا هذه الأشعار المشتركة اللغة، التي تذوب فيها الفوارق اللهجية وتنعدم خلالها الميزات القبلية، أدركنا كيف صحّ أن يكون كل من: امرئ القيس والنابغة، والأعشى، وزهير، وبشر بن أبي خازم.. جوابا عن: من أشعر الناس؟.

فلو كان كل شاعر من هؤلاء ينظم شعره بلغته الخاصة ولهجة قبيلته، فمن يكون الحكم، ولأي لهجة تعطى الأولوية، وفيم تتبارى الهمم، وتتنافس القدرات، إذا لم تكن وحدة اللغة قاسما مشتركا حتى يمكن المقارنة والموازنة، وبالتالي المفاضلة.

ولا أجد خيرا مما قاله إبراهيم أنيس "كان لا بد لأولئك الشعراء الذين جاؤوا من بيئات متباينة أن ينظموا شعرهم بلغة خالية من عنعنة أو عجعجة أو كشكشة لينال إعجاب سامعيه، ولا يكون موضع سخريتهم وهزئهم، وإلا فكيف كان من الممكن أن يفضل شاعر على شاعر في تلك المناظرات إذا كان القياس مختلفا، وأداة القول متباينة".