الرمزية في قصة حي بن يقظان.. الأسلوب السردي الممل بافتعال واقع خيالي لتطوير الأحداث مليء بعناصر التشويق لافتكاك شرعية الدخول إلى قلب القارئ



الرمزية في قصة حي بن يقظان:
يؤكد ابن طفيل، على أن قصته مصطبغة برمزية مقصودة، فهو يقول في الفقرة الأخيرة من الكتاب: ولم نخل مع ذلك، ما أودعناه هذه الأوراق اليسيرة، من الأسرار، عن جانب حجاب رقيق وسر لطيف ينهتك سريعا لمن هو أهله، ويتكاثف لمن لايستحق تجاوزه.

مظاهر الرمزية في قصة حي بن يقظان:

وقد أجمل بعض الباحثين هذه الرمزية في النقاط التالية:

1- ورود القصة في شكل رسالة:

من شأنه أن يقرب الصلة بين القارئ والكاتب، ومن شأنه أيضا، أن يعطي للقصة مدلولا إخباريا له وقعه في نفسية السامع أو القارئ، إذ أنه سيضفي على الأحداث من الواقعية والحركية مما سيشعر القارئ بأنه طرف لا غنى عنه في كل ذلك.

2- ورودها في شكل قصة:

يمكّن الكاتب من تصوير الأحداث وتحريك الصور في المخيلة وتخلصه من الأسلوب السردي الممل، بافتعال واقع خيالي لتطوير الأحداث مليء بعناصر التشويق.
وهذه طريقة لافتكاك شرعية الدخول إلى قلب القارئ، وبالتالي زرع الطمأنينة فيه والتحكم في اعتقاده.

3- التقديم للقصة:

يهيئ القارئ ويؤطر تفكيره، فيوجهه نحو وجهة واحدة يختارها له الكاتب، و يخلصه بالتالي من الأحكام و الظنون المسبقة.
وكما أنه يسعى إلى إفراغ العقل من هذه الأحكام، فإنه في المقابل يضع فيه بعض التقييمات والآراء الأولية و المباشرة، حتى يظن القارئ (غير المرغوب فيه) أن ما أورده الكاتب في القصة من مقاصد هو نفس ما أشار إليه في التقديم.

4- الازدواجية في رواية التولد:

هي دليل على اتباع أسلوب ثنائي في ازدواجية المعنى الذي سيعتمده ابن طفيل.
ونلاحظ أن هذه الثنائية تغطي كافة القصة:
(السن سنان: عمر جسمي وعمر عقلي، والمقصود هو العمر العقلي ـ الحقيقة حقيقتان: الأولى يمثلها حي بن يقظان، والثانية يمثلها آسال، والحقيقة التي يمثلها حي هي المقصودة ـ الباطل باطلان: الباطل الذي عليه الجمهور والباطل الذي عليه سلمان، والمقصود هو الباطل الذي عليه سلمان، ممثل الفقهاء ـ و القصة على نحوين: نظري وعملي، والمقصود هو القسم النظري ـ والإنسان على قسمين: كامل و ناقص، و المقصود هو الإنسان الكامل ... الخ).

5- التدخلات المباشرة للكاتب (في ثنايا القصة):

و تفيد استدراكات منه لتغطية الغرض الأصلي، وهذا التدخل إما أن يكون القصد منه الوصف والإيضاح أو توجيه القارئ إلى معنى معين، أو الاعتذار، أو الجدال و الخصام، أو التموييه.
والقصد من هذا الحضور في بعض المواقع هو إرهاب القارئ غير المرغوب فيه أو تضليله.

6- اختيار مواضع الآيات القرآنية:

وذلك لتوظيفها في غرض ما، أو تسكينا وتهدئة للشعور الديني وبث الطمأنينة في المتدينين المتعصبين من القراء، ويدخل في هذا الباب أيضا، الدعاء والجمل الاعتراضية.

7- التعلل بقصور اللغة و فقرها:

وهذه الوسيلة ما هي سوى حيلة من الكاتب لتغطية أغراضه من ناحية والاحتماء بإمكانية التأويل من ناحية أخرى، وإلا كيف تحصل الفكرة في الذهن واضحة جلية و لا يواتيها التعبير؟ سوى أن تكون هذه الفكرة مختلطة و باطلة، أو أن يتهرب الكاتب من الإفصاح المباشر عنها. لأن ما يعجز اللغة في الحقيقة هو ذلك الذي لم يتبينه الذهن ولا صفت معرفته في العقل (مثل العواطف والمشاعر لكونها حالات تخص الذات الفردية فلا يتأتى للإنسان التعبير عنها بكامل الصدق).

8- تقابل آراء الكاتب في المسألة الواحدة:

(كذم الفلاسفة و تبني آراءهم، واتهام العقل بالقصور والاعتماد عليه ومدحه و تقديمه على كل ما سواه من الملكات، و تقديس الدين وتزكيته ثم انتقاد بعض ما جاء فيه ... الخ).
فمن شأن هذه العملية أن تزرع التذبذب في عقل من يريد الوقوف على موقف واضح لابن طفيل بغرض الإيقاع به، لأن صادق النية سينتقي الحق من القصة ـ بعد بحث و غربلة و تمحيص ـ لذلك لا تهمه مواقف ابن طفيل ولا وجهة نظره ولا شخصه، وإنما سيهتم للحقيقة في حد ذاتها.
وأما سيئ القصد فسيبحث عن مآخذ في سياق القصة يتهم بها الكاتب.
فإذا ما كان القول مختلفا أو أنه يبدو متناقضا، فإن باب التأويل سيفتح عندئذ على مصرعيه. وسيجد الكاتب نجاته في ذلك.

9- القول بتمايز الطبائع:

وأن الذين تكتمل فيهم الرتبة الإنسانية هم أصحاب الحق الذي لا "جمجمة فيه"، أما الآخرون فعلى باطل و تنقصهم ملكة التمييز لقربهم من الحيوانية: وتكمن الغاية من هذه الطريقة في توظيف غرور الناس من ناحية، إذ من سيجرؤ على الاختلاف مع "الفلاسفة" ومعارضتهم سيتهمه ابن طفيل بأنه من صنف الحيوانات غير الناطقة.
ومن ناحية أخرى بغرض التشفي من الخصوم بالطعن في مقدرتهم العقلية.

10- القول بأن:

"الغاية من كتابة القصة هو كشف السر": ثم التصريح: "بأن القصة مغطاة بالأساليب الرمزية": هو قول الغرض منه، تشويق القارئ من جهة، ومن جهة أخرى حمله على أن يبذل مجهودا إضافيا لفهم مقاصد الكاتب منها و فيها.

11- اعتذار ابن طفيل لإخوانه في الاعتقاد:

يعتبر إقرار منه، بأن الكشف عن السر قد يعود عليه وعلى أمثاله بالضرر.
وأنه كذلك قد يضر بالعامة التي هي ــ بحكم نقص في طبيعتها ــ غير مؤهلة لذلك.
وفي هذا الإقرار تأكيد على عناصر التشويق في القصة التي تحولت قراءتها إلى مغامرة خطيرة.

12- اختيار أسماء الأبطال:

و ذلك للدلالة على شخصية كل بطل منهم و منزلته و رغم أن هذه الخاصية مضمرة في القصة، إلا أنه لايمكن لابن سيناء أن يطلق هذه الأسماء على أبطال قصته دون أن تحمل مدلولا ما، يقصده، ولا يمكن لابن طفيل، أن يستعمل هذه الأسماء دون أن يكون مطلعا على مقصد ابن سينا، أو دون أن يلبسها من المعاني ما يهدف بها إليه:

أ- "حي بن يقظان":

"حي " يقصد به: "العقل"، لأنه لا معنى للحياة الإنسانية عند المفكرين الإسلاميين سوى الإدراك، وعند تمام الإدراك العقلي البرهاني تكتمل الحياة.
أما "ابن يقظان" فهو يرمز به إلى الأصل الذي انحدر منه العقل أو صدر عنه وهو "العقل الفعال"، الذي هو على علاقة بما يجري في العالم الأرضي، والساهر على تنظيم عالم الكون والفساد، لذلك فهو بريء عن الغفلة أو الإغفاء، كما أنه في علاقة فيضية أبدية بالعقول السماوية و بالعقل الأول الذي هو في حضور دائم عند ذاته باستمرار. فبين العقل و الألوهية نسبة جوهرية.

ب- "آسال":

هو أمر لفعل "سأل"، (بالتخفيف)، وقد يعني به ابن طفيل ، ذلك الشخص الكثير السؤال والمولع بالبحث والمستكنه للأسرار، والسؤال هو نصف العلم ــ كما قيل ــ ، لهذا كان " أسال" قريب من "حي" الذي يمتلك العلم كله.

ج- "سلامان":

مشتق من فعل "سلم"، وهو يوحي بالسلامة، و "سلامان" في القصة، يمثل شخصية رجل يؤثر الطمأنينة والركون إلى الراحة وهدوء البال و الرغبة الجامحة في دعم دوام الحال واستقرار الأحوال، إذ هو من الأعيان ومن المقربين من السلطان.

د- "الظبية":

الإنسان يرجع إلى الحيوان كما يرجع النوع إلى الجنس، بل لا يختلف الإنسان عن الحيوان إلا بامتلاكه للحقيقة العقلية، لذلك نجد من المفكرين الإسلاميين من يحرم على نفسه أكل اللحوم، لاعتقاده هذا الاعتقاد، وتأثرا ببعض المذاهب الهندية.
وابن طفيل عندما يصنف المآكل المباحة لــ"حي" فإنه يضع لحم الحيوان في الدرجة الأخيرة، ولا يبيحها له إلا إذا عدم المأكل: "فإن عدم هذه فله أن يأخذ من الحيوان أو من بيضه، و الشرط عليه في الحيوان أن يأخذ من أكثره وجودا، ولا يستأصل منه نوعا بأسره "أليس في هذا القول، صياغة لقانون في الرفق بالحيوان؟


0 تعليقات:

إرسال تعليق