الآباء مصدر القيم التربوية في الجاهلية.. عرض عمرو بن معد يكرب ما لقنه أبوه من خلال كريمة ودفاع زهير بن أبي سلمى عن قبيلته بدافع من الالتزام بوصايا أبيه



كانت للجاهليين مثل عليا في حياتهم، يتمنى كل واحد منهم أن يترسمها، ويحققها، وتراها مبثوثة فـي ثنايا أغراضهـم الشعرية، وقد تكون قصائد كاملة، يسجلون فيها خلاصة تجاربهم في الحياة، ويوصون بها أبناءهم، ويحثونهم على التمسك بها، ليكون كل واحد منهم نموذجا للخلق السامي.

ويعـرض علينـا عمرو بن معد يكرب ما لقنه أبوه من خلال كريمة فيقول:
إني حويت على الأقوام مكرمة -- قدما وحذرني ما يتقون أبي
فقال لي قول ذي رأي ومقدرة -- مجرب عاقل نزه عن الريب
قد نلت مجدا فحاذر أن تدنسه -- أب كريم ومجد غير مؤتشب
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به -- فقد تركتك ذا مال وذا نشب
واترك خلائق قوم لا خلاق لهم -- واعمد لأخلاق أهل الفضل والأدب
وإن دعيت لغدر أو أمرت به -- فاهرب بنفسك عنه أيّد الهرب

ويبدو أن هذه الوصايا قد انتقلت إلى الأبناء دستور حياة لا يحيدون عنه، فنرى الأعشى مزهوا بوصايا أبيه، فقال: 
إن الأعز أبانا كان قال لنا -- أوصيكم بثلاث إنني تلف
الضيفَ أوصيكم بالضيف إن له -- حقا علي فأعطيه وأعترف
والجار أوصيكم بالجار إن له -- يوما من الدهر يثنيه فينصرف
وقاتلوا القوم أن القتل مكرمة -- إذا تلوى بكف المعصم العرف

ويحرص على أن يوصي ابنه بصيرا، وينقل إليه تجاربه في الحياة، فيقول:
سأوصي بصيرا إن دنوت من البلى وصاة امرئ قاسى الأمور وجربا
بأن لا تبـغ الـود مـن متباعـد -- ولا تنء عن ذي بغضة إن تقربا
فإن القريب مـن يقـرب نفسـه -- لعمـر أبيك الخير لا من تنسبـا

ويدافع زهير عن قبيلته، ويذود عنها، بدافع من الالتزام بوصايا أبيه، وذلك ما حدده هو بقوله: 
وبالعفو وصاني أبي وعشيرتي -- وبالدفع عنها في أمور تريبها
وقومك فاستبق المـودة فيهـم -- ونفسك جنبها الذي قد  يعيبها