المملكة الثانية لسونغاي .. السيطرة علي الأمم المجاورة لأرضهم من الطوارق والماندنغ والفلاتة، والموسي والخضوع لمنسا موسي



عايشت – في بعض عهودها – بداية الإسلام الذي انتشر بين ملوكها ، اسستها أسرة "زا" والمعروف من ملوكها واحد وثلاثون، اسلم منهم أكثر من سبعة عشر ملكا، منذ القرن الأول الهجري، كلهم ملقبون بـ (زا) ويغلب علي كتب التاريخ للمنطقة القول بأن اول من اسلم منهم هو الخامس عشر، واسمه "زاكسي"، ويبدو أنه غير صحيح، لأن الملك السادس من هؤلاء يسمي "زا علي" ويبعد أن يكون اسمه إسلاميا من غير أن يكون مسلما، وبخاصة أن دعوي كون اصلهم من اليمن غير مسلم به، ويردها حتي مدلول هذا اللقب في لغة سنغاي.

فلعل الصحيح أن يكون بعض هؤلاء قد اعتنق الإسلام من القرن الاول الهجري لكن لم يحظ الأمر بكتابته كما حظي أمر "زاكسي" للسبب الذي سيأتي، والمهم أن "زا علي" هذا كان ملكا في أوائل القرن الثاني الهجري حوالي سنة 135هـ.

أما سبب التوهم بأن "زاكسي" هو أول من اسلم، وأن من عداه ماتوا علي الوثنية، فهو  توهم أن هؤلاء ماتوا جميعا قبل البعثة النبوية، وقد يرجع القول به غلي الجهد الكبير الذي بذله "زاكسي" في توطيد الإسلام في مملكة سنغاي، إذ اصدر مرسوما ملكيا عام 400 هـ يمنع غير المسلم من تولي الملك في سنغاي، وقد التزم بعده بالقرار، وقاموا بنشر الإسلام، بالدعوة والجهاد حتي سقوط المملكة الأخيرة لهذه الإمبراطورية، عام 1003 هـ 1594م (101)، وإذا صح أن "زا علي" كان ملكا في القرن الثاني الهجري فإن دولته تكون عايشت دولة أوكار الغانية التي سقطت عام 154هـ 770م حين ثار عليهم حكام السوننكي.

يتفق ما تقدم عن "زاكسي" وما ذكره البكري (ت 487 هـ) من أن سنغاي – وهم أهل كوكو – لايملكون عليهم أحدا من غير السملمين، وإذا ولي الملك دفع إليه خاتم، وسيف ومصحف.

يقول ياقوت الحموي: (كوكو، وهو اسم أمة من السودان، قال المهلبي (ت 380 هـ): كوكو من الإقليم الاول، وعرضها عشر درج، وملكهم  يظاهر رعيته بالإسلام، وله مدينة علي النيل (نهر النيجر) من شرقية اسمها سرناة، بها أسواق ومتاجر، والسفر إليها من كل بلد متصل، وله مدينة  علي غربي النيل، سكنها هو ورجاله وثقاته، وبها مسجد يصلي فيه، ومصلي الجماعة بين المدينتين، وله في مدينته قصر لا يسكنه معه أحد، ولا يلوذ فيه إلا خادم مقطوع، وجميعهم مسلمون، وزي ملكهم ورؤساء اصحابه القمصان والعمائم، ويركبون الخيل أعراء (أي من غير سرج، ومملكته أعمر من مملكة زغاوة، وبلاد زغاوة أوسع، واموال أهل بلاده الأاموال والمواشي، وبيوت أموال الملك واسعة، وأكثرها الملح).

وتحدث المسعودي (ت 346 هـ) في كتابه (أخبار الزمان) عن السودان وتفرقهم بعد عبور النيل، ثم قال متأثرا باليعقوبي: ومنهم (الكوكو، وبهم سميت المملكة التي هي أعظم السودان وأجلها قدرا، وكل ملك لهم يعطي ملك الكوكو حق الطاعة، وتنسب إلي الكوكو ممالك كثيرة، ومملكة غافه – أيضا – عظيم الشأن، ويتصل ببلاد معادن الذهب، وبها منهم امم عظيمة.. وتحت ملك غافه عدة ملوك، وممالك كلها فيها الذهب ظاهر علي الارض).

لذلك كان طبيعيا – كما يقول أحد الباحثين – أن يكون أهل سنغاي اعتنقوا الإسلام قبل غيرهم من السودانيين والطوارق، أضف إلي ذلك أنه كان لبرقة والقيروان اثر في انتقال التأثيرات الإسلامية إلي هذا الجزء من بلاد السودان، إذ كانت تربطهما بـ (كوكييا) العاصمة الأولي لسنغاي طريق صحراوي مرورا بـ  (تادمكة) والدعاة يتادونها، ونظرا لموقعها الممتاز، وأهميتها التجارية، فإنها محطة تجارية، وارتبطت بعلاقات تجارية وثيقة مع التجار المسلمين القادمين من الشمال والشمال الشرقي، وكذلك مع بلادهم الإسلامية والممالك والمجاورة لها، ولايمكن أن يكون دور سنغاي في نشر الإسلام بغرب إفريقيا - لا في هذا العهد ولا في الذي بعده – هو المرحلة الرابعة من مراحل نشر الدعوة الإسلامية في إفريقيا السوداء.

وقد عاصر المؤرخ اليعقوبي(ت 282 هـ 895م) هذه المملكة الثانية لسنغاي، ووصفها علي أيامه، إذ يقول - وهو يذكر ممالك السودان الغربي -: (..... ثم مملكة الكوكو، وهي أعظم ممالك السودان، وأجلها قدرا، وأعظمها أمرا، وكل الممالك تعطي لملكها الطاعة، والكوكو اسم المدينة، ودون هذه عدة ممالك يعطونه الطاعة، ويقرون له بالرئاسة علي أنهم ملوك بلدانهم)، وقد رايت أنه لما أحصي منها ثماني، ووصف بعضها بأنها واسعة، اضاف: (فهذه كلها تنسب إلي مملكة الكوكو) بل إنه لما وصف مملكة غانا، وعظمها، وما تحتها من ملوك، لم يصفها بما وصف بها مملكة سنغاي، ومالها من السيطرة، والسعة، والعظمة، وتبعية غيرها لها.

وفي ذلك (دليل واضح علي أنها كانت في تلك العصور متفوقة علي جميع الممالك في السودان الغربي في القوة الاقتصادية، والقوة العسكرية، والقوة الإدارية، والقوة السياسية، والقوة الفكرية، إلي غير ذلك)، حتي قال الحسن الوزان (ت 957هـ 1550 م) في مبالغة واعتداد باكتشافاته: (إن المؤرخين الذين سبقوه – كالبكري، والمسعودي – لايعرفون شيئا عن بلاد الزنوج ما عدا منطقتي كوكيا وكانو، اي المنطقة الممدة بين نهر النيجر وبحيرة تشاد، وقد رايت فيما تقدم خضوعها لشعب سنغاي.

والحق أن المسعودي، والبكري، والإدريسي، والعمري، والحموي، وابن بطوطة، وغيرهم كثيرون يمدوننا – خلافا لما ذكره الوزان – بمعلومات مهمة تتعلق بغيرهما وبخاصة غانه وتجارتها وعاداتها الاجتماعية وغيرها، لكن كلام الوزان يأتي من جانب آخر تأكيدا لما وصف به اليعقوبي والمسعودي سنغاي من الشهرة والصيت، والسعة والعظمة، وكلام اليعقوبي والمسعودي من اقوي الأدلة علي ما هدفنا إليه في هذه الدراسة من دراسة تحليلية، وقراءة فاحصة موضوعية لإعادة دراسة ترتيب الإمبراطوريات الكبري بغرب إفريقيا، في عصورها الإسلامية أم في غيرها، ومن  تلك الأدلة (قد بدأ ظهور دولة غانا في القرن الاول الميلادي)، وترجيح عدد من الباحثين قيام مملكة غانه في القرن الثالث الميلادي (300م).

سقطت هذه المملكة الثانية بعد سقوط غانه بحوالي خمس وثمانين سنة، أو تزيد، فقد سقطت غانه عام 638هـ 1240م، وكان ساكورة الذي ملك مالي بين عامي (684 0 700 هـ، 1285 – 1300م) قد غزاها وضمها إلي مالي، لكنها استقلت ثم سقطت علي يدي منسا موسي الذي سيطر عليها لعشر سنوات بين عامي 1325 – 1335م .

ومن المسلم به أن المملكة الثالثة لهذه الإمبراطورية، والتي تأسست عام (735هـ - 1335 م) لايمكن أن تكون المقصودة بكلام اليعقوبي والمسعوي، لأنهما لم يدركاها بدليل تاريخ وفاتهما (282هـ، 346 هـ) فلم يبق إلا أن تكون المقصودة هي المملكة الثانية.

يتأكد من كل ما تقدم أن جعل مملكة غانا ومالي الإسلاميتين وغير الإسلاميتين أقدم من مملكة سنغاي خطأ تاريخي تناقلته الكتب، في نص اليعقوبي والمسعودي تصحيح له، وهو صريح في أن هذه المملكة في طورها الثاني لم تكن صغيرة ولا مطمورة، وتبرز قيمة شهادتهما في أنهما معاصران لبعض عهودها.

أما الإدريسي ابوعبدالله محمد بن محمد عبدالله (ت 560 هـ) فيقول في وصف عاصمة هذه المملكة: (ومدينة كوكو مدينة مشهورة الذكر من بلاد السودان، كبيرة.. ثم إن ملك كوكو ملك قائم بذاته، خاطب لنفسه، وله حشم كبير، ودخلة كبيرة، وقواد وأجناد، وزي كامل، وحلية حسنة، وهم يركبون الخيل والجمال، ولهم باس وقهر لمن جاورهم من الأمم المحيطة بأرضهم).

فهل يكون لها هذا الاستقلال، والقوة، والسيطرة علي الأمم المجاورة لأرضهم من الطوارق، والماندنغ، والفلاتة، والموسي.. الخ، ثم تكون في الوقت نفسه إقليما من أقاليم مالي، كما يذكر ابن خلدون (ت 808 هـ) والقلقشندي اللذين عداه الإقليم الرابع في مالي؟.
لكن ماذا عن قول فضل الله العمري (ت 749 هـ 1349 م) عن ملك مالي: (هو أعظم ممالك السودان، وملكها أعظم ملوك السودان المسلمين، وأوسعهم بلادا، وأكثرهم عسكرا، واشدهم باسا، وأعظمهم مالا، وأحسنهم حالا، واقهرهم للأعداء)، وبه تأثر د. إبراهيم طرخان حين قال: (تعد دولة مالي أقوي وأغني الدول الإفريقية التي ظهرت في السودان الغربي)؟.

إذ لاشك في أنهما يقصدان الدول التي كانت معاصرة لها، فلا يعارض به نص اليعقوبي ونحوه، ويختص بعهد منسا سليمان الذي حكم بين عامي (741 – 761 هـ - 1341 – 1360 م) وقد عاصره العمري بدليل قوله قبل عن مملكة مالي: (وملكها – الآن- اسمه سليمان، أخذ السلطان موسي منسا بيده ما كان جمعه أخوه مما فتحه من بلاد السودان، واضافه إلي الإسلام).

يوافق هذا العهد فترة خضوع مملكة سنغاي لمنسا موسي، لأن اليعقوبي متقدم علي العمري بحوالي خمسة قرون، ولأنه ذكر غانه من أقاليم مملكة مالي، وهي إنما قامت بعد سقوط غانه، وقد يكون المقصود بغانه - هنا - المدينة التي ضمت إلي مالي (122).