المدح في الشعر العباسي.. تصوير الأحداث و الفتن و الحروب وجعل قصيدة المدح وثيقة تاريخية تُصوَّر فيها البطولات العربية ومدح المدن و التعصب لها و الإفاضة في تعداد محاسنها



المدح موضوع شعري معروف منذ العصر الجاهلي، ولكنه في العصر العباسي اشتق لنفسه مضامين جديدة إلى جانب مضامينه المعروفة سابقًا.

فقد كانَ مدار النقد في الجاهلية وفي العصر الإسلامي والأموي الكرم والمروءة و الشجاعة... وفي العصر العباسي لم يلتزم المدح دائمًا بالدوران حول هذه المضامين.

فقد برز الإلحاح في هذا العصر على المعاني الإسلامية خاصةً في مدح الخلفاء والوزراء على نحو لم يُعهد مِنْ قبل.
فالخليفة في نظر الشعراء إمام المسلمين وحامي حمى الإسلام.

يقول سلم الخاسر في مدح يحيى البرمكي:
بقاء الدين و الدنيـا جميـعًا -- إذا بقي الخليفة و الوزير.
يَغارُ على حِمَى الإسلام يحيى -- إذا ما ضيع الحزم الغيور.

وقد بالغ الشعراء في وصف مكانة ممدوحيهم الدينية, يقول أبو نواس في مدح هارون الرشيد:
لقـد اتقيتَ الله حقَّ تُقـاتـه -- وجَهَدْتَ نفسك فوق جُهدِ المُتقي.
وَ أَخفْتَ أهلَ الشِرك حتى أَنَّه -- لَتخَافكَ النُطف التي لَمْ تُخلقِ.

كمَا قام الشعراء بتصوير الأحداث و الفتن و الحروب في قصائد المدح، وبذلك أصبحت قصيدة المدح وثيقة تاريخية تُصوَّر فيها البطولات العربية.

و أبرز مثال على هذا قصيدة أبي تمام في فتح عمورية:
السيف أصدق إنباءً من الكتب -- في حدَّهِ الحَدُّ بينَ الجد و اللعبٍ

ومن نواحي التجديد في هذا الفن مدح المدن و التعصب لها والإفاضة في تعداد محاسنها، وأشهر المدن التي مُدحت الكوفة والبصرة وبغداد باعتبارها المراكز الرئيسية للحياة الفكرية والاجتماعية و الاقتصادية.

يقول عمارة بن عقيل في مدح بغداد:
أعاينت في طول من الأرض أو عرض -- كبغداد داراً إنها جنة الأرضِ
صفا العيش في بغداد واخضر عوده -- وعيش سواها غير صاف ولا غض
تطول بها الأعمار إن غذاءها مريء -- وبعض الأرض أمرؤ من بعض