كيف أصبح آل الصباح شيوخاً على الكويت؟.. تقاضي ضريبة على القوافل الخارجة من الكويت واصطياد السمك واستخراج اللؤلؤ



كيف أصبح آل الصباح شيوخاً على الكويت؟

كان من الملاحظ أن أغلب الذين أقاموا حول هذا الكوخ الكبير - ولنسمه الآن القرية -، حيث لم يكن عددهم ليزيد عن بضع مئات، كانوا من قبيلة "العتوب"،  نسبة إلى بني عُتبة، التي تنتسب إلى قبيلة أخرى أكبر منها اسمها "عنزة" عرف عنها التنقل وراء العشب والماء ما بين نجد والعراق.
وكان ممن حط بالقرب من الكويت بعد حوالي مائة عام من بناء ذلك الكوخ، عشيرة الصباح وعشيرة خليفة، وكلتاهما ينتهي نسبها إلى قبيلة عنزة.

رحلة النزوح:

أما سبب نزوحهم فهو ما ذكرناه من السعي وراء العشب ولحوادث الثأر الدارجة عند هؤلاء الناس.
وقد بدأوا رحلتهم من نجد إلى قطر، حيث أقاموا تحت حماية عشيرة "مسلم".
ثم قتلوا أحد أفراد تلك العشيرة، فأخرجتهم من أرضها وركبوا البحر إلى شواطىء إيران.
ثم تحولوا إلى "أم قصر" قرب البصرة، فأبعدتهم عنها الحكومة العثمانية "لما كانوا يقومون به من السلب والنهب وقطع الطريق"(1). فحطوا رحالهم في "الصَّبيّة" وهي على بعد 25 كم من قرية الكويت، ويقال أن ذلك قد حدث سنة 1710.

الصيد والغوص:

قلنا أن أهل الكويت كانوا مشغولين في الصيد والغوص وعمل "الفلايك"- السفن الصغيرة – والتجارة، وأنهم كانوا عرضة للغارة عليهم.
وهم بحكم عملهم لم تعد لهم دراية في شؤون القتال والغزو.
وكانوا مضطرين إلى ترك بيوتهم بضعة أشهر كل عام سعياً وراء رزقهم البحري. فراحوا يبحثون عمن يحميهم ويكفيهم مؤونة القتال، ويحرس لهم بيوتهم وأكواخهم. ووجدوا في عشيرة الصباح الحماة المطلوبين، اتقاء لهم، ومنعاً لأذى الآخرين عنهم. فاستأجروهم لهذا الغرض، وجعلوا منهم حرساً يشبه الحرس البلدي ونظام الخفراء في زماننا.

اختيار الصباحيين:

وقد جعل الكويتيون للصباحيين حصة في عملهم البحري والبري، فكانوا يتقاضون ضريبة على القوافل الخارجة من الكويت، وكذلك على حصيلة ما يصطادونه من السمك، ويستخرجونه من اللؤلؤ.
وكما حدث في أنحاء مختلفة وفي ظروف مشابهة في التاريخ، حين يتحول الحرس، وهم القوة المسلحة في بلد سكانه عُزّل، إلى أداة إكراه وتخويف، وانحياز إلى جهة ضد أخرى، أو لتغليب فريق على فريق، فقد أمكن لرئيس الحرس أن يتحول من قابض لأجر حراسة بالاختيار، إلى أن يفرض نفسه ليكون حكماً بين الناس، وأن يأخذ المال منهم كضريبة واجبة الأداء. خاصة وأن بني خالد، سادة المنطقة كلها - شرق الجزيرة العربية -، كانوا مشغولين عنهم في نزاعاتهم مع الوهابيين (السعوديين). فسنحت الفرصة لصغار الشيوخ أمثال آل الصباح إلى مزاولة شيء من الحرية في التحكم بشؤون السكان الخاضعين لهم. وهكذا أصبح آل الصباح شيوخاً على الكويت. وكان صباح بن جابر أول هؤلاء الشيوخ سنة 1752(2).

محطة تجارية:

لقد أخذت الكويت في عهد هذا الشيخ دور إحدى المحطات الصغيرة للقوافل القادمة من سوريا للاتجار أو للسفر إلى الهند. وكان من الذين تأكد مرورهم بها الدكتور "إيفز" (Edward Ives) الرحالة الهولندي سنة 1758 وهو في طريقه من الهند إلى حلب فأوروبا، حيث اعتبر الطريق الصحراوي من الكويت وعبر بادية الشام إلى حلب، أقرب من الطريق إلى البصرة فبغداد ثم عبر الصحراء إلى حلب.. خاصة وأنه يتجنب بذلك الجمارك الباهظة التي كان يفرضها كل من والي البصرة ووالي بغداد على المارين بمدنهم.

النزاع الفارسي العثماني:

إلى جوار هذا الوضع التجاري الخاص للكويت، والذي سنتحدث عنه بتفصيل أكثر في المستقبل، فإنها مع جارتيها قطر والبحرين، استفادت من نزاعات الجارين الكبيرين، الفارسي والعثماني، ما مكنها من سرعة التطور النسبي.. ففارس تعرضت للغزو الأفغاني - العثماني ثم الروسي. حتى عندما ظهر الملك نادر شاه سنة 1726، فإنه كان ضعيفاً في تحركه البحري نحو الشواطئ العربية المقابلة له في الخليج، حيث اعتمد في أسطوله البحري على سفن بحارتها من العرب وقادتها من الفرس. وحسب قول الرحالة "نيبور" فإن البحارة ثاروا على ضباطهم وانحازوا بسفنهم إلى العرب - العثمانيين ((Description de L Arabie صفحة 273.

أما العثمانيون في العراق فقد كان الشغل الشاغل لوالي بغداد هو تلقي الأوامر من استانبول بالتحرك دائما نحو الشرق - فارس، وليس جنوباً إلى ما يلي البصرة. ما زعزع مركز العثمانيين في ضواحيها الجنوبية، وزاده سوءً مناوشة بعض القبائل من العرب المستقرين في الجانب الشرقي والشمالي من الخليج - وهم مزارعون وغير البدو الرحل - وأشهرهم بنو كعب، فهؤلاء كانوا يناوشون - حكام البصرة بين الحين والآخر بدعم وتحريض من الفرس.

(1) "تاريخ الكويت" الأستاذ عبد العزيز الرشيد (دار مكتبة الحياة - بيروت - بدون تاريخ) الصفحة 33.
(2) تشارك في البداية آل خليفة مع آل الصباح في دخول الكويت، غير أن آل خليفة شعروا بعدم إمكانية أن تكون لهم حصة في الحكم، فنزحوا عن الكويت سنة 1766 إلى بلدة "الزبارة" قرب قطر وأمام جزر البحرين. وقد نشأ خلاف يينهم وبين "آل مذكور" حكام البحرين، انتهى باحتلالهم لها وأصبحوا سنة 1782 حكاماً على البحرين وما زالوا إلى الآن.