نهاية إمبراطورية.. التقنية الغربية لتنشيط الاقتصاد المتهرئ وتغير قواعد لعبة السلطة



في عام 1989 م شهد العالم كله مذهولا ذلك الإنهيار المفاجئ للإمبراطورية التي قامت نصف قرن من الزمان على القوة السوفيتية في أوروبا الشرقية.

بل إن الاتحاد السوفيتي الذي يحتاج بشدة إلى التقنية الغربية لتنشيط اقتصاده المتهرئ دخل هو نفسه في فترة من التغيير الذي يشبه الفوضى.

ولم تسلم القوة العظمى الأخرى في العالم من الدخول بدورها في حالة من التدهور النسبي وإن يكن ذلك قد تمَّ بشكل أبطأ وأقل إثارة.

لقد كتبت الإقلام كثيراً عن فقدان أمريكا لنفوذها الدولي- بما يغني عن تكرار ذلك هنا.
بيد أن الأمر الأكثر لفتاً للنظر هو تحول السلطة عن كثير من المؤسسات الأمريكية التي كانت تتمتع بها ذات يوم.

فقبل عشرين عاماً كانت جنرال موتورز تعد الشركة الصناعية الأولى في العالم ونموذجاً متألقاً يتطلع إليه المدراء في أقطار المعمورة.

كما كانت بؤرة للنفوذ السياسي في واشنطن. أما اليوم فإنها (تلهث من أجل البقاء) على حد قول أحد كبار المسؤولين فيها، وليس من المستبعد أن نرى تفكك جنرال موتورز في السنوات المقبلة.

كذلك لم تكن شركة (IBM) تواجه منذ عشرين عاماً سوى منافسة تكاد لاتذكر، ولعلَّ الولايات المتحدة كانت لديها من أجهزة الحاسبات الآلية آنذاك أكثر مما كان لدى سائر أقطار العالم مجتمعة.

أما اليوم فقد انتشرت سلطة الحاسب الآلي سريعاً في أرجاء العالم وتقلصت حصة الولايات المتحدة منها.. وأخذت شركة (IBM) تواجه منافسة ضارية من قبل شركات مثل (NEC) وهيتاشي وفيوجيتسو في اليابان و (Groupe Bull) في فرنسا و (ICL) في بريطانيا وكثير غيرها.. وبات المحللون الصناعيون يحللون لما بعد عصر (IBM).
ولايعود هذا كله إلى المنافسة الخارجية. فقبل عشرين عاماً كانت ثلاث شبكات تلفزيونية، هي (ABC) و(CBS) و(NBC)، تهيمن على موجات الأثير في الولايات المتحدة.

ولم تكن هذه الشركات تواجه منافسة أجنبية مطلقاً.. ومع ذلك فهي اليوم تنكمش بسرعة شديدة لدرجة أن مجرد بقائها أصبح أمراً مشكوكاً فيه.

وإذا إخترنا مثالاً مختلفاً نجد أن الأطباء في الولايات المتحدة كانوا قبل عشرين عام أقرب إلى آلهة ترتدي معاطف بيضاء.

وكان المرضى يتقبلون كلمتهم كأنها قانون.. وبإيجاز، كان الأطباء يتحكمون تقريباً في النظام الصحي الأمريكي ويحظون بسطوة سياسية هائلة.

أما اليوم فيجد الأطباء الأميركيون أنفسهم تحت الحصار. فالمرضى يناقشون مايقال لهم.. ويقاضون الأطباء إذا ما ارتكبوا إهمالا أو تقصيراً.. والممرضات يطالبن بالمشاركة في المسؤولية والتمتع بالاحترام.. وشركات الأدوية تبدي قدراً ٍأقل من التوقير والإذعان. وأصبحت شركات التأمين والحكومة، لا الأطباء، هي التي تتحكم في النظام الصحي الأمريكي.

إذن- بصفة عامة – ثمة بعض من أقوى المؤسسات والمهن داخل أكثر الأمم نفوذا رأت هيمنتها تتداعى في غضون نفس العشرين عاماً التي شهدت تقلص النفوذ الأمريكي الخارجي قياساً بنفوذ الأقطار الأخرى.
وحتى لاتبدو هذه الهزات الكبرى في توزيع السلطة علة قاصرة على القوتين العظميين المتداعيتين دعنا نلقي نظرة على أماكن أخرى لنثبت العكس.

ففيما كانت القوة الاقتصادية الأمريكية تضمحل كانت قوة اليابان الاقتصادية تنطلق إلى عنان السماء.
غير أن النجاح أيضاً يمكن أن يؤدي إلى تحولات هامة في السلطة.

إذ، كما حدث في الولايات المتحدة، أخذت أقوى صناعات الموجة الثانية ( صناعات الإنتاج الكمي) في اليابان تتداعى من حيث الأهمية فيما طفق نجم صناعات الموجة الثالثة في الصعود.

لكن حتى أثناء تزايد الثقل الإقتصادي لليابان شهدت المؤسسات الوطنية الثلاث- التي يعود لها الفضل الأكبر في إزدهار البلاد- تقلصاً في نفوذها.

وكانت أولى هذه المؤسسات هي الحزب الديمقراطي الليبرالي.
والثانية وزارة التجارة الدولية والصناعة – وهي، كما يقال، الدماغ الذي يقف وراء معجزة اليابان الاقتصادية.
أما الثالثة فكانت ( الكيدانرين)، وهي أقوى اتحاد للأعمال التجارية في اليابان من حيث النفوذ السياسي.

لقد أخذ اليوم نفوذ الحزب الديمقراطي الليبرالي في التراجع فيما تربك الفضائح الجنسية والمالية قادته المسنين.

ولأول مرة يجد الحزب نفسه إزاء ناخبات ساخطات ذوات نشاط متزايد ومستهلكين ودافعي ضرائب ومزارعين ممن كانوا يؤيدونه في السابق.

ولكي يستبقي الحزب سلطته التي احتفظ بها منذ عام 1955 سيضطر إلى نقل قاعدته من ناخبي الأرياف إلى ناخبي  المناطق الحضرية وبالتالي التعامل مع سكان أقل تجانساً بكثير من ذي قبل.

ذلك لأن اليابان، كما هو الحال في كافة الأقطار ذات التقنية المتقدمة، في طريقها إلى أن تصبح مجتمعاً (لا جماعياً) بوصول عدد متزايد من الفعاليات إلى المسرح السياسي.

إن مقدرة الحزب الديمقراطي الليبرالي على القيام بهذا التغيير البعيد المدى هي محل خلاف، أما الشئ الذي لاخلاف عليه فهو أن جزءًا ذا بال من السلطة قد تحول عن هذا الحزب.

فيما يختص بوزارة التجارة الدولية والصناعة، ثمة كثير من الأكاديمين والسياسيين الأمريكيين يحثون الولايات المتحدة، حتى في الوقت الراهن، على الاقتداء بأسلوب التخطيط المتبع في هذه المؤسسة اليابانية – على الرغم من الأخيرة نفسها تعاني اليوم من متاعب.

لقد كانت كبرى الشركات اليابانية تتودد ذات يوم إلى بيروقراطيي هذه الوزارة وتتبع (إرشاداتها) في العادة طوعاً أو كرهاً.

أما اليوم فإن سلطة الوزارة آخذة في الاضمحلال السريع فيما قويت شوكة الشركات نفسها إلى حد يتيح لها أن تشمخ بأنفها للوزارة.

إن اليابان لاتزال قوية من الناحية الاقتصادية في العالم الخارجي لكنها ضعيفة سياسياً في الداخل.
فثقلها الاقتصادي الهائل، إذن، إنما يدور حول قاعدة سياسية مهتزة.

بيد أن تدني القوة كان أشد وأجلي في حالة اتحاد (الكيدانرين) الذي لايزال يهيمن عليه كبار كهنة الصناعات ذات المداخن الآفل نجمها سراعاً.

بل أن تلكما المؤسستين الماليتين اليابانيتين ذواتي البأس الشديد (بنك اليابان ووزارة المالية)، اللتين وجهت رقابتهما اليابان عبر فترة النمو المرتفع والهزة النفطية وانهيار أسواق الأسهم وارتفاع سعر الين، تجدان أنفسهما الآن عاجزتين حيال قـوى السوق المضـطربة المزعزعة للاقتصاد.

أما تحولات السلطة الأكثر لفتاً للنظر فهي تلك التي تغير الآن وجه أوروربا الغربية.
فقد انتقلت القوة والسلطة بعيداً من لندن وباريس وروما فيما أصبح الاقتصاد الألماني يبز ما عداه جميعاً.

واليوم فيما تمضي ألمانيا الشرقية والغربية قدماً في دمج اقتصاديهما باتت أوروبا كلها تخشى، مرة أخرى، هيمنة ألمانيا على القارة.

ولحماية نفسها تقوم فرنسا وغيرها من دول أوروبا الغربية، عدا بريطانيا، بمحاولة عاجلة لدمج المجموعة الأوروبية سياسياً واقتصادياً.
لكن كلما أصابت بمحاولة عاجلة لدمج المجموعة الأوربية سياسياً وأقتصادياً.

لكن كلما أصابت نجاحاً في ذلك انتقل المزيد من سلطتها الوطنية إلى شرايين المجموعة الأوروبية الكائن مقرها في بروكسل.. الأمر الذي ما أنفك يؤدي إلى استقطاع أجزاء متعاظمة من سيادة هذه الدول.

وهكذا تجد أوروبا الغربية نفسها محاصرة بين بون أو برلين من جهة وبروكسل من جهة أخرى. إن السلطة هنا أيضاً تتحول حثيثاً عن مراكزها الراسخة.

يمكن مد قائمة هذه التحولات العالمية والمحلية في السلطة إلى مالانهاية. إنها حقاً تمثل سلسلة كبيرة من التغييرات بالنسبة لفترة زمانية جد وجيزة كهذه. وبالطبع فإن حدوث بعض التحول في السلطة أمر عادي في أي وقت.

لكن ندر أن يحدث تحول على هذا النحو في نظام للسلطة شامل للعالم كله.
والأنذر من ذلك هو أن تكون هنالك فترة من التاريخ تتغير فيها كل قواعد لعبة السلطة دفعة واحدة وتتبدل فيها طبيعة السلطة ذاتها تبدلاً جذرياً.

بيد أن هذا بالضبط هو مايحدث اليوم. إن السلطة، التي تميزنا بدرجة كبيرة كأفراد وكأمم، تتعرض هي نفسها إلى إعادة تمييز وتحديد.