الضرورة الشعرية واضطرار للشاعر إليها.. إذا لم يكن له خيار في التخلص منها، وعند الإمكان هي تعبير سائغ يجوز استعماله في الشعر والنثر على السواء



خلاصة هذا الرأي أن الضرورة لا تسمى بذلك إلا إذا لم يكن للشاعر خيار في التخلص منها، أما إذا أمكنه ذلك فلا يكون ضرورة، بل يكون تعبيرا سائغا يجوز استعماله في الشعر والنثر على السواء.
فقول الشاعر:
قلت لبواب لديه دارُها
تِيْذَنْ فإني حَمْوُها وجارها
ليس ضرورة ، لإمكان أن يقول: (ايذن) مكان (تِيْذَنْ) التي أصلها (لِتَأْذَنْ) ثم حذفت اللام وكُسر حرف المضارعة.[1]

والقائلون بهذا القول ـ فيما يبدو ـ قد نظروا في الدلالة اللغوية لمادة ( ض ر ر)، جاء في اللسان: (...والاضطرار: الاحتياج إلى الشيء، وقد اضطره إليه أمر، والاسم الضرة... والضرورة كالضرة،... الليث: الضرورة اسم لمصدر الاضطرار، تقول: حملَتْني الضرورة على كذا وكذا، ... وقوله عز وجل {فمن اضْطُر غيرَ باغٍ ولاعادٍ} أي فمن ألجئ إلى أكْلِ الميتة وما حُرمَ وضُيِق عليه الأمر بالجوع...[2].

وواضحٌ كل الوضوح أن هذا المذهب يضيِّق من دائرة الضرورة الشعرية، ويحصرها في مجموعة من الاستعمالات والأساليب لا يستطيع الشاعر ـ في نظر أصحاب هذا الرأي ـ أن يتخلص مما فيها من مخالفة لمشهور القواعد النحوية أو الصرفية، وهو بذلك يُخرِج كثيراً من الشواهد من ضيق الضرورة إلى مُنْفَسَحِ الاختيار.

وقد لقي هذا المذهب في فهم الضرورة معارضة شديدة في القديم والحديث، وكان أشهر من رد عليه الإمام الشاطبي في شرحه على ألفية ابن مالك، حيث يقول:
(وما ذهب إليه[3] باطل من وجوه:

- أحدها: إجماع النحاة على عدم اعتبار هذا المنزع، وعلى إهماله في النظر القياسي جملة، ولو كان معتبراً لنبهوا عليه.

الضرورة الشعرية عند النحاة ليس معناها أنه لا يمكن في هذا المكان غير ما ذكر، إذ ما من ضرورة إلا ويمكن أن يُعوض من لفظها غيره، ولا ينكر هذا إلا جاحد لضرورة العقل، هذا الراء في كلام العرب من الشِّيَاع في الاستعمال بمكان لا يُجْهَلُ، ولا تكاد تنطق بجملتين تعريان عنها، وقد هجرها واصل بن عطاء لمكان لُثْغته فيها، حتى كان يناظر الخصوم ويخطب على المنبر فلا يسمع في نطقه راء، فكان إحدى الأعاجيب حتى صار مثلاً، ولا مِرْية في أن اجتناب الضرورة الشعرية أسهل بكثير من هذا.

وإذا وصل الأمر إلى هذا الحد أدى أن لا ضرورة في شعر عربي، وذلك خلاف الإجماع، وإنما معنى الضرورة أن الشاعر قد لا يخطر بباله إلا لفظة ما تضمنته ضرورة النطق به في ذلك الموضع إلى زيادة أو نقصان أو غير ذلك، بحيث قد يتنبه غيره إلى أن يحتال في شيء يزيل تلك الضرورة.

- الثاني: أنه قد يكون للمعنى عبارتان أو أكثر، واحدة يلزم فيها ضرورة إلا أنها مطابقة لمقتضى الحال، ولا شك أنهم في هذه الحال يرجعون إلى الضرورة، لأن اعتناءهم بالمعاني أشد من اعتنائهم بالألفاظ، وإذا ظهر لنا في موضع أن ما لا ضرورة فيه يصلح هناك فين أين يعلم أنه مطابق لمقتضى الحال؟

- الثالث: أن العرب قد تأبى الكلام القياسي لعارض زِحاف، فتستطيب المُزاحَفَ دون غيره أو بالعكس، فتركب الضرورة لذلك)[1].اهـ

وقال أبو حيان: (لم يفهم ابن مالك قول النحويين في ضرورة الشعر، فقال في غير موضع: ليس هذا البيت ضرورة لأن قائله متمكن من أن يقول كذا، ففهم أن الضرورة في اصطلاحهم هو الإلجاء إلى الشيء... فعلى زعمه لا توجد ضرورة أصلاً، لأنه ما من ضرورة إلا ويمكن إزالتها ونظم تركيب آخر غير ذلك التركيب)[2].

من هم القائلون بهذا الرأي؟
نُسب هذا الرأي إلى اثنين من أئمة النحاة هما: سيبويه وابن مالك، أما ابن مالك فقد صرح بهذا الرأي تصريحا لايقبل التأويل والجدل، فحين تكلم على وصل الألف واللام بالفعل المضارع، ذكر قول الشاعر:
ماأنت بالحكم التُرْضى حكومته -- ولا الأصيل ولا ذي الرأي والحسبِ

وقول الآخر:
يقول الخنا وأبغض العُجْم ناطقـا
إلى ربنا صوت الحمار اليجــدعُ

وقول الآخر:
ما كاليروح ويغدو لاهيا مَرِحــا
مشمرا يستديم الحزم ذو رشـــدِ

وقول الآخر:
وليس اليُرى للخل مثل الذي يرى
له الخلُّ أهلا أن يُعدَّ خليــــلا

ثم قال: (وعندي أن مثل هذا غير مخصوص بالضرورة، لتمكن قائل الأول أن يقــول:
ماأنت بالحكم المرضي حكومته

ولتمكن الثاني من أن يقول:
إلى ربنا صوت الحمار يُجَدعُ

ولتمكن الثالث من أن يقول:
ما مَنْ يروح
ولتمكن الرابع من أن يقول:
وما مَن يرى
فإذلم يفعلوا ذلك مع استطاعته ففي ذلك إشعار بالاختيار وعدم الاضطرار)[3].

وأما سيبويه فلم يصرح بمذهبه في الضرورة ، وإنما عقد باباً سماه (ما يحتمل الشعر من الضرورة) كما تحدث عنها في مواضع عدة من كتابه، ومن هنا فقد اضطرب العلماء والباحثون في بيان مفهوم الضرورة عند سيبويه، فذهب فريق إلى أن رأيه كرأي ابن مالك، ومن هؤلاء: ابن الطيب الفاسي[4] والصفار الفقيه[5] وأبوحيان والسيوطي [6]، وذهب بعض الباحثين إلى أن سيبويه يرى أن الضرورة ماوقع في الشعر دون النثر سواء أكان للشاعر عنه مندوحة أم لا وقد مال إلى هذا الرأي: د.إبراهيم حسن إبراهيم[7] و د. خديجة الحديثي[8].

والذاهبون إلى أن رأي سيبويه كرأي ابن مالك يحتجون ببعض نصوص في الكتاب تشعر بذلك ، من أصرحها قول سيبويه: (ولايحسن في الكلام أن يُجعل الفعل مبنيا على الاسم ولايُذكر علامة إضمار الأول حتى يخرج من لفظ الإعمال في الأول ومن حال بناء الاسم عليه ويشغله بغير الأول، حتى يمتنع من أن يكون يعمل فيه، ولكنه قد يجوز في الشعر، وهو ضعيف في الكلام، قال الشاعر ـ وهو أبو النجم العجلي:
قد أصبحت أم الخيار تدعي
علي ذنبا كلُهُ لم أصنعِ

فهذا ضعيف، وهو بمنزلته في غير الشعر، لأن النصب لا يكسر البيت، و لايخل به ترك إظهار الهاء)[9]، فانظر كيف لم يجعلْه ضرورة لأن الشاعر يجد مندوحةً عنه.

ولعلهم استأنسوا بكثرة استخدام سيبويه لعبارات توحي بالإلجاء وذلك نحو (فإن اضطر شاعر) أو (اعلم أن الشعراء إذا اضطروا) أو (فقالت الشعراء حيث اضطروا) أو (قالوا مضطرين) وغير ذلك [10].

وأما الآخرون فاحتجوا لقولهم بعدة حجج منها:
1ـ  تصدير سيبويه حديثه عن الضرورة الشعرية بقوله (اعلم أنه يجوز في الشعر ما لايجوز في الكلام)، ولم يقيد ذلك الجواز بما لامندوحة للشاعر عنه.

2ـ كثير من الشواهد التي أوردها سيبوبه للضرائر الشعرية جاءت فيها روايات أُخرى تخرجها عن الضرورة.

3ـ  كثير من الشواهد التي ذكرها سيبويه في أقسام الضرورة يمكن بقليل من التصرف إخراجها من حيز الضرورة دون كسر للوزن أو إخلال بالمعنى.

4ـ يرى سيبويه أن الأمثال يستجاز فيها ما يستجاز في الشعر، وليس في المثل إلجاء ولا اضطرار، فكيف يقال: إن الضرورة عنده ما لا مندوحة عنه للشاعر؟

5ـ أما تعليقه على بيت أبي النجم (قد أصبحت أم الخيار... البيت) فإنه يمكن القول بأنه قد رجع عنه بما ذكره بعد ذلك من أبياتٍ حكم عليها بالضرورة مع إمكان التخلص منها بأدنى تغيير، والعالم إذا وقع له قولان متعارضان نُظِر إلى الآخر منهما.[11]

والذي يظهر لي والله أعلم أن رأي سيبويه في الضرورة مضطرب أصلاً، فهو لم يستقر على مفهوم محدد، ولعل سر ذلك أنه لم يعن بهذه المسألة ولم يُفردها بالبحث وإنما أتى بها سيبويه (لِيُرِيَ الفرقَ بين الشعر والكلام ولم يتقصه، لأنه لم يكن غرضه في ذكر ضرورة الشاعر قصداً إليها نفسها، وإنما أراد أن يصل هذا الباب بالأبواب التي تقدمت، فيما يعرض في كلام العرب ومذهبهم في الكلام  المنظوم والمنثور)[12] ويؤيد هذا أن هذه المسألة لم تكن المسألة الوحيدة التي اضطرب فيها رأي سيبويه.

وليس هذا التناقض بِدْعاً، فالعلماء في كل عصر وفن يقعون في شيء من هذا وليس معصومٌ إلا رسول الله.

[1] انظر همع الهوامع 4/309.
[2] اللسان 5/2573ـ2574.
[3] أي ابن مالك، وهو من أنصار هذا الرأي وإنما أخرنا الحديث عن القائلين بهذا الرأي لأن حولهم بعض المناقشات آثرت إرجاءها إلى آخر الفِقْرة.
[1] خزانة الأدب للبغدادي 1/33 ـ 34.
[2] الضرائر للآلوسي 8، ونحوه في همع الهوامع 5/332.
[3] شرح التسهيل لابن مالك 1/201 ـ 202.
[4] الضرائر للآلوسي 6.
[5] الضرورة في النحو العربي د.حماسة 134.
[6] الضرائر اللغوية د.عبد العال شاهين 27.
[7] سيبويه والضرورة الشعرية د.إبرهيم حسن 35.
[8] دراسات في كتاب سيبويه. د. خديجة الحديثني 150.
[9] الكتاب 1/85 هارون، تجدر الإشارة هنا إلى قول عبد القاهر عن هذا البيت: قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه من رفع كل في شيء إنما يجوز عند الضرورة، من غير أن كانت به إليه ضرورة... وإذا تأملت وجدته لم يرتكبه و لم يحمل نفسه عليه إلا لحاجة له إلى ذلك وإلا لأنه رأى النصب يمنعه ما يريد.
وذاك أنه أراد أنها تدعي عليه ذنبا لم يصنع منه شيئا البتة لا قليلا و لا كثيرا و لابعضا و لا كلا.
والنصب يمنع من هذا المعنى، ويقتضي أن يكون قد أتى من الذنب الذي ادعته بعضه. [انظر هذا المعنى و تمامه في دلائل الإعجاز 278]
[10] انظر سيبويه والضرورة 37 ـ 39.
[11] انظر سيبويه والضرورة 41ـ46.
[12]مايحتمل الشعر من الضرورة للسيرافي 33.