المنهج البنيوي والوعي بتحولات الشعر العربي.. أبعاد البنيوية في الصورة الشعرية والفضاء الشعري وبنية الإيقاع الشعرية والأنساق البنيوية



المنهج البنيوي والوعي بتحولات الشعر العربي:

اكتنه كمال أبو ديب (سورية) جدلية الخفاء والتجلي وأسرار البنية العميقة وتحوّلاتها في الشعر العربي تطابقاً مع المنهج البنيوي للوعي بالبنية السطحية والبنية العميقة، وإدراك الآلية الدلالية والحركية لتجسيد المعاني والدلالات والتفاعلات البنيوية القائمة "على تراث فكري وفلسفي ولغوي يعود إلى أوائل القرن الحاضر، وكونها استمراراً لتطورات فكرية وفلسفية تضرب جذورها في أغوار التراث الأوروبي ممتدة إلى هيغل على الأقل ومفاهيمه الجدلية، وإلى فرويد والتحليل النفسي".

الأبعاد الأولى للبنيوية:

اعتمد أبو ديب على الأسس النظرية للمنهج البنيوي، ونحى منحى نظرياً، لاكتشاف الظواهر الفكرية والفنية في بنية القصيدة التي تعزز فهم العالم ووعي العلاقات التي تنشأ بين مكوّنات الثقافة وعياً للعلاقات بين مكّونات البنى الاقتصادية والسياسية والنفسية والاجتماعية، لإدراك عملية الإبداع والخلق. وأضاء عملية القراءة والإدراك للدراسة البنيوية "من أجل فهم بنية ما، بكل تعقيدها وتشابكها، بجدلية الخفاء والتجلي فيها".
شرح أبو ديب الأبعاد الأولى للبنيوية في الصورة الشعرية، والفضاء الشعري، وبنية الإيقاع الشعرية، والأنساق البنيوية، ثم طبّق المنهج البنيوي في تحليل الشعر، بما هو فاعلية خلق ورؤيا متأصلة في الذات الإنسانية واكتناه للحظة التوتر بين الإنسان والعالم، هو هاجس النزوع، والثاني متابعة تحديد عدد من المنطلقات الأساسية لصياغة نظرية بنيوية للمضمون الشعري".

قراءة النص التراثي:

خلص أبو ديب إلى نتيجة داعمة للتأصيل والتحديث في المنهجيات الحديثة في قراءة النص التراثي، بإتباع المنهج البنيوي واكتناه مستويات البنية الأخرى وكيفية تجسيد كل مستوى من هذه المستويات للبنية الأساسية للقصيدة، ولاسيما الأنساق الصوتية في العقيدة وتحولاتها، وأنساق الصورة الشعرية وتحولاتها، وسواهما.

اكتشاف بناءات النص:

اشتغلت فدوى مالطي ـ دوجلاس (مصر) في البنيوية أيضاً وعلاقتها بالنص التراثي العربي، وبحثت في دراساتها مبادئ النظام، والقوانين، والأساليب الفنية التي استخدمها المؤلفون التراثيون في خلق أعمالهم.
وشرحت في الفصل الأول البنيوية والنص التراثي العربي كمنهج نقدي ملائم للنصوص العربية في العصور الوسطى، وعللت منهجهما البنيوي، على أن البنيوية تتكون من مجموعة من أنظمة التفكير التي تتقابل عند نقطة معينة، بوصف رولان بارت، هي التشريح والربط، ويفيد التشريح عملية اكتشاف بناءات النص الأساسية، بينما يمثل الربط "إعادة توحيد هذه البناءات على نموذج للنص أو شكل مواز له.
ويمكننا، من ثم، أن نرى في هذا النموذج الموازي تفاعل البناءات في النص بكامله".

اعتراضات على البنيوية:

درست دوجلاس نوعين معينين من النصوص التراثية هما أدب المسامرات والترجمة، وركّزت على المنهج البنيوي الذي يمثل نسقاً يكشف عن البناءات، أي مبادئ النظام، المتضمنة في صلب النص، ويتفق هذا المنهج النقدي مع دراسة الأدب العربي التراثي وعرضت في الوقت نفسه الاعتراضات الستة على البنيوية المنحصرة فيما يلي:
  • إن البنيوية لم تعد شيئاً يساير العصر، أوانها ليست أحدث المدارس النقدية في الادب.
  • البنيوية تعالج الأعمال الأدبية كأنها مؤسسة كلها على النماذج البسيطة نفسها.
  • من الواجب درس الأدب باستخدام مبادئ الأدب نفسه، ويجب على النقد الأدبي أن يكون موضوعاً مستقلاً.
  • إن البنيوية تعزل العمل الأدبي عن بيئته الكاملة، أي عن تراثه الأدبي، وحياه مؤلفه، والمجتمع الذي ألف به والمنعكس في العمل نفسه.
  • إن التحليل البنيوي للنص الأدبي يشبه جناح الفراشة تحت "الميكرو سكوب" فيضيع النص الأدبي كلاً من جماله وكمال.
  • يمثل تطبيق البنيوية على النصوص التراثية مفارقة تاريخية، فضلاً من أنها تكون من حضارة أخرى.

طبيعة النقد الأدبي:

تميز نقدها لهذه الاعتراضات على أنها افتراضات خاطئة عن طبيعة النقد الأدبي، لأن المنهج البنيوي لا قطيعة له مع المناهج النقدية الأخرى، فحللت المنظومات القصيرة في حكاية البخلاء للجاحظ، والفكاهة والبناء في حكايتين من حكايات البخلاء للجاحظ والخطيب البغدادي، والبناء والتنظيم في أحد الأعمال الأدبية ذات الموضوع الواحد، "التطفيل" للخطيب البغدادي، والمقامة المضيرية لبديع الزمان الهمذاني، والجدل وتأثيراته في تقليد سيرة الخطيب البغدادي، والأحلام والعميان وسيميائية الترجمة للصفدي، والعلاقات الداخلية المتبادلة بني العناصر الاسمية: الأسماء، وأسماء الدين، والكنى في القرن التساع بعد الهجرة.
تجلى في تحليل الناقدة أن البنيوية تدرس النماذج على مستويات عديدة للنص كالأسلوبية والمهارة الفنية والمنظورات الفكرية من داخل النص بالدرجة الأولى.