مقاربة التعلم الإجتماعي المعرفي عن طريق النموذج



مقاربة التعلم الإجتماعي المعرفي:

يتطلب تحقيق الهدف التعليمي وفق هذه المقاربة، المرور بالمراحل التالية:

1- عرض نماذج من السلوك على الطلبة:

في عرض حديثه عن نظريات التعلم الاجتماعي، يقول صالح محمد علي أبو جادو: إن كثيرا من التعلم يحدث عن طريق مراقبة سلوك الآخرين وملاحظة نتائج أفعالهم، ووفق هذه النظرية، فنحن لا نتعلم أفعالا بسيطة فقط، بل نتعلم نماذج كلية من السلوك، أي أن ما نتعلمه ليس فقط نماذج من السلوك، ولكن القواعد التي هي أساس للسلوك.

انطلاقا من هذا القول، يمكننا أن نستنتج أن المتعلمين يميلون إلى تبني سلوكات بعض الأشخاص الذين يعتبرونهم كنماذج باندورا ومارغريت غريدلر Bandura و M. Gredler ومن هنا يجب على من المدرسين إيجاد نماذج من السلوك لتعليمها وتقديمها للطلبة.

فإذا كان الهدف في درس ما هو تعليم المسؤولية، فسيكون من المفيد تفسيرها، ولكن إضافة إلى التفسيرات التي تقدم حول هذا الموضوع، يجب إحضار شخص إلى القسم يعتبره المجتمع مسؤولا (طبيب مثلا)، وإثارة تفاعلات بينه وبين الطلبة للتأثير فيهم.

وإذا أراد مدرس أن يعلم للطلبة كيفية تسجيل المعلومات، فبدل أن يقف عند حدود إعطاء توصيات حول العملية التي يجب إتباعها لتحقيق ذلك، يمكنه أن ينفذ أمامهم ما هو مطلوب لاكتساب كيفية القيام بتسجيل المعلومات، ويقدم المدرس أمامهم أمثلة حية عن ذلـك ويرفق عمله هذا بتقديم تعليق واضح حول العمليات التي يقوم بتنفيذها، إنه بهذا الأسلوب  يصير نموذجا يمكن تقليده.

يتضح من خلال هذه المقاربة أن الهدف التربوي سيزداد رسوخا في نفوس التلاميذ، إذا ما قدمت لهم أمثلة واقعية تمكنهم من الاحتكاك بها.
فتقديم نماذج واقعية من السلوك، يساعد على تحقيق الأهداف التي سوف لن تكون مجرد وصفات يطلب من المتعلمين استيعابها.

2- تقويم وتبرير قيمة السلوكات:

يرى باندورا أن الناس يطورون افتراضاتهم حول أنواع السلوك التي سوف تقودهم نحو الهدف التعليمي المنشود.
بمعنى أن تحقيق الهدف يتوقف على القيمة التي نعطيها للنتيجة.

ولذلك ينبغي أن نبين للمتعلمين منفعة كل هدف تعليمي فهم حسب هذه المقاربة يتعلمون أحسن إذا تبينت لهم فائدة هذا الهدف التعليمي أو ذاك بالنسبة للحياة، أو إذا تبين لهم ما سيجنونه من فائدة من تعلم معين بالنسبة لتعلم لاحق. ها هنا يتضح  جليا الوجه البراغماتي للتعلم في مقاربة باندورا.

فما يهم هو قيمة النتائج التي ينتظرها المتعلمون من الأهداف المراد تحقيقها، فوضوح الأهداف يتوقف -حسب هذا النموذج-على مدى وضوح الفائدة من تحقيقه.

3- تعزيز سلوكات التلميذ:

من المهم جدا القيام بتغذية راجعة إيجابية لكل طالب يحقق تقدما في تعلمه، لأنها تسمح له بتكوين صورة إيجابية عن ذاته، وإدراكها كذات قادرة على القيام بالمهام المطلوبة، غير أنه من الممكن اللجوء إلى العقاب للتقليل من القيام ببعض السلوكات.

وهنا نجد باندورا  وإلى جانبه غريدلر يستعملان أحد المفاهيم الأساسية في بيداغوجيا الأهداف وفي نظرية التعليم المبرمج التي وضع أسسها سكينر (Skinner)؛ فالتغذية الراجعة الإيجابية أو السلبية كلاهما يساعد على تغيير السلوك المحدد في الهدف التربوي أو على تعزيزه.

4- الممارسة:

يوصي باندورا بالجمع بين النظرية و التطبيق، لأن الجمع بينهما يصدق كثيرا على التعلم النفسي-الحركي خاصة.
بالفعل إنه من الصعب جدا أن نتعلم لعبة الغولف دون ممارستها، ومن الصعب أيضا أن نتعلم الكتابة دون ممارستها، فالطلبة الذي يكتبون بخط جيد يعرفون أنهم توصلوا لذلك عن طريق الممارسة ثم الممارسة ثم الممارسة.

ولتوضيح علاقة الممارسة بالنظرية في مجال التربية، نقدم فيما يلي استراتيجية تربوية اقترحها Gredler لتحقيق الأهداف التعليمية.
وتتكون هذه الإستراتيجية من مجموعة من المراحل هي:

+ المرحلة الأولى:  تحليل السلوكات المراد تحقيقها:

- تحديد طبيعة السلوك: معرفي أوجداني أوحركي.
- تحديد مقطع أطوار السلوك.
- تحديد النقاط الحرجة في المقطع؛ مثل صعوبات ملاحظة السلوك مع تحديد المقاطع التي يكون فيها احتمال ظهور الأخطاء كبيرا.

+ المرحلة الثانية: وصف مردودية السلوك وانتقاء نموذج من نماذج السلوك المراد تعليمه:

- تعريف الطالب بمردودية السلوك أو بالنجاح الذي سيحققه إذا ما قام بتنفيذ السلوك المــراد تعلمه، مثال: من المهم أن نطلب من التلميذ أن يكتب بخط جيد إذا كانت الوظيفة التي سيقوم في المستقبل تتطلب تحرير تقارير كثيرة.

- البحث عن نموذج من نماذج السلوك التي تساعد على تحقيق النجاح، وغالبا ما تكون هذه النماذج ممثلة في الأقران أو في الأستاذ أو في بعض نماذج السلوك  الاجتماعي المتفوق.

- تحديد ما إذا كان ينبغي أن يكون النموذج رمزيا أو حقيقيا، مثال: استدعاء كاتب أو طبيب لمقابلة التلاميذ.

- تحديد أنواع التعزيزات الضرورية للسلوك المنشود وضمها للنموذج.

+ المرحلة الثالثة: إعداد الحصة التعليمية:

- تحديد الأساليب اللغوية (التعاليق، التعليمات، المؤشرات، الشروحات التي   تصف ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله).
- إعادة المراحل المقطعية التي تتطلب وقتا أطول لتفسيرها، مع إيجاد الشروحات التي يجب إضافتها لتسهيل التعلم.

+ المرحلة الرابعة: تنفيذ الحصة التعليمية:

فعندما يتعلق الأمر بتعلم التلميذ القيام بمهارات حركية:
- يجب عرضها عليه من طرف خبير، أي تقديمها من طرف نموذج يقتدى به.
- يجب منح فرصة للتلاميذ تسمح لهم بممارسة المهارة المحددة.
- يجب استعمال تغذية راجعة تكون مرئية ومسموعة.

وعندما يتعلق الأمر بتعلم بسلوك معرفي، يجب:
- تقديم النموذج مدعما بعبارات شفوية.
- منح فرصة للتلاميذ لتقديم تعابير موجزة عن السلوك النموذجي، حين  يتعلق الأمر بتعلم مفهوم من المفاهيم أو قاعدة من القواعد.
- توفير فرص التعبير للتلاميذ، خاصة لما يتعلق الأمر بحل مشكلة أو بتطبيق استراتيجية معينة.
- توفير فرص تعميم السلوك الذي تم تعلمه و تحويله إلى وضعيات أخرى.
يتضح من خلال المراحل السابقة، أن الهدف التربوي سيجد سندات تحقيقه في العمليات التطبيقية التي يوفرها المدرس في الحصة.

التطبيقات التربوية في نظرية التعلم الاجتماعي:

وهنا نستطيع القول أن الممارسة والنمذجة تلعبان دورا أساسيا في مقاربة باندورا (Bandura)، وهذا ما يؤكده مصطفى فتحي الزيات عند تعرضه للتطبيقات التربوية في نظرية التعلم الاجتماعي المعرفي بقوله (متوجها إلى المدرس): عندما يكون الهدف هو إكساب الطلاب بعض أنماط السلوك التفاعلي القائم على الحوار، كتقمص بعض الشخصيات التاريخية أو الروائية، شَكّل الشخصيات التي تريد نمذجة سلوكها على بعض الطلاب، مع تقديم النموذج الصحيح لكل نمط سلوكي من خلالك.

تدفعنا هذه الملاحظة إلى القول بأن التعلم يكون دالا بالنسبة للمتعلم، كلما جاء مؤسسا على استخدام نماذج للأداء الصحيح، ومؤسسا أيضا على نماذج للأداء الخاطئ معا وفي نفس الوقت.

توجيهات لجعل النمذجة سبيلا للتطبيقات التعليمية لنظرية التعلم الاجتماعي المعرفي:

ولقد أورد مصطفى فتحي الزيات مجموعة من التطبيقات التعليمية لنظرية التعلم الاجتماعي المعرفي مؤكدا في أمثلته على مفهوم النمذجة، وهو يقدمها في شكل توجيهات، نذكر منها ما يلي:

- طبق أو نمذج الأنشطة المهارية وقدمها دون أن تتحدث أو بدون قالب لفظي: اعرض النشاط الذي تريد إكسابه للطلاب غير مصحوب بأية تعبيرات لفظية، ثم أعد النشاط مجزءا مع الحديث عن كل جزء منه مع إعطاء تغذية مرتدة لاستجابات أو تعليقات الطلاب أو تصحيح الخطأ منها فورا.

- وضح كافة إجراءات وخطوات النمذجة مع توفير المواد المتاحة لكي يتم اكتساب السلوك المراد تعلمه على النحو الذي تتوقعه.

- تحدث دائما عن المعلومات المطلوب استرجاعها أو استدعاؤها التي يمكن على  ضوئها ومن خلالها حل المشكلات العلمية المطروحة، مع إعطاء التعزيز الملائم على كل تقليد أو محاكاة للنماذج بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للممارسة القائمة على التعزيز الذاتي.

- نمذج السلوك المراد إكسابه للطلاب في ظروف مماثلة للظروف التي سيؤدي فيها الطالب المهارة المطلوبة.

- وضح نماذج من الأنماط السلوكية التي تصدر عن الطلاب والتوقعات المرتبطة بها والآثار المترتبة عنها. يمكننا أن نستنتج مما سبق بخصوص نظرية التعلم الاجتماعي المعرفي أن النظريات الاجتماعية المعرفية تتميز بما يلي:
1- إدماجها لمفهوم البيئة الثقافية والاجتماعية كمحددات مؤثرة في تحقيق الأهداف التعليمية.
2- تركيزها على تطبيق النمذجة كأسلوب من أساليب تحقيق هذه الأهداف.

3- استعمالها لمفاهيم تتعلق بمجالات الأهداف كالمجال المعرفي والمجال الوجداني والمجال النفسي الحركي.