صفات الحارث بن همام راوية مقامات الحريري.. طلب العلم والكسب المادي. الإفادة من مواعظ البطل وعلمه ومتابعته في خصوماته في مجالس القضاء



صفات الحارث بن همام راوية مقامات الحريري:

يسمّي "الحريري" راويته "الحارث بن همّام".
وقد أخذ التسمية من قول النبي (ص): (تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةٌ).

طلب العلم والكسب المادي:

(وصدقهما أنه ليس أحد إلا وهو يحرث، أو يحاول الكسب أو يهمّ بحاجته).
وكان "الحريري" يعني نفسه بهذا الاسم.
وقد اتفق راوية "بديع الزمان الهمذاني" وراوية "الحريري" في الهدف، ألا وهو طلب العلم والكسب المادي.

إبداع المقامات في شخصية الراوي:

ونجـد الـراوي عند "الحـريري" يفيـد من مواعظ البطل، ويفيد من علمه، ويتابعه في خصوماته في مجالس القضاء، وينشد ضالته عنده، وهكذا يتابعه الراوي إلى أن يبلغا سن الكهولة، ويفارقه الراوي.
ويبدو أن "الحريري" أظهر مهارة وإتقانًا لا سابق لَه في فن المقامات في شخصية الراوي.

فـ"الحريري" لم يفاجئنا بالراوي والبطل، بل أورد في المقامة الأولى "الصنعانية" -وإن كانت "المقامة الحرامية" هي الأولى في التأليف- التعارف بين الراوي والبطل عند ما تظاهر البطل للراوي بصورة واعظ في مسجد ما، ثم انكشف لَه أمره بعد ذلك، وسأل تلميذ "أبي زيد السروجي" قائلاً: (عَزَمْتُ عَلَيْكَ بِمَنْ تَسْتَدْفِعُ بِهِ الأَذَى، لَتُخْبِرَنِّي مَنْ ذَا؟ فَقَالَ: هَذَا أَبُو زَيْدٍ السَّرُوجِيُّ، سِرَاجُ الْغُرَبَاءِ وَتَاجُ الأُدَبَاءِ...) ونجده يورد في "المقامة البصرية" الأخيرة الفراق بينهما، حيث يقول لَه الراوي: (أَوْصِنِي أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ. فَقَالَ: اِجْعَلِ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنِكَ، وَهَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ. فَوَدَّعْتُهُ وَعَبَرَاتِي يَتَحَدَّرْنَ مِنَ الْمَآقِي، وَزَفَرَاتِي يَتَصَعَّدْنَ مِنَ التَّرَاقِي، وَكَانَتْ هَذِهِ خَاتِمَةَ التَّلاَقِي).

أدوار البطل في أحداث المقامة:

وهذا يوحي بأن "الحريري" قدم لنا عملاً فنيًّا متكاملاً في وحدة فنية كان يراها حيث كلّف فيها الراوي "الحارث بن همام" ليبرز أدوار البطل "أبي زيد السروجي" في سلسلة الأحداث التي تضمنتها مقاماته.

وقد استغرق تأليف المقامات عنده تسع سنوات.
فقد بدأها في عام خمسة وتسعين وأربعمائة، وفرغ منها في عام أربعة وخمسمائة من الهجرة.
ويلاحظ أيضًا أن نبرة الاندهاش عند راوية "الحريري" بدأت تختفي شيئًا فشيئًا، كلما تأزّمت الأحداث التي خاضا غمارها معًا.

المقامة الأسدية:

وكان حريّ بـ"بديع الزمان الهمذاني" أن يجعل "المقامة الأسدية" -وهي السادسة في الترتيب- هي الأولى، لأنه ورد فيها أول لقاء بين الراوي "عيسى بن هشام" والبطل "أبو الفتح الإسكندري"، حيث يقول على لسان الراوي: «كَانَ يَبْلُغُنِي مِنْ مَقَامَاتِ الإِسْكَنْدَرِيِّ وَمَقَالاَتِهِ مَا يَصْغَى إِلَيْه النُّفُورُ، وَيَنْتَفِضُ لَهُ الْعُصْفُورُ، وَيُرْوَى لَنَا مِن شِعْرِهِ مَا يَمْتَزِجُ بِأَجْزَاءِ النَّفْسِ رِقَّةً، وَيَغْمُضُ عَنْ أَوْهَامِ الْكَهَنَةِ دِقَّةً، وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ بَقَاءَهُ، حَتَّى أُرْزَقَ لِقَاءَهُ، وَأَتَعَجَّبُ مِنْ قُعُودِ هِمَّتِهِ بِحَالَتِهِ، مَعَ حُسْنِ آلَتِهِ [...] وَصِرْنَا إِلَى الطَّرِيقِ وَوَرَدْنَا حِمْصَ، بَعْدَ لَيَالٍ خَمْسٍ.

فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى فُرْضَةٍ مِنْ سُوقِهَا، رَأَيْنَا رَجُلاً قَدْ قَامَ عَلَى رَأْسِ ابْنٍ وَبُنَيَّةٍ، بِجِرَابٍ وَعُصَيَّةٍ [...] قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الإِسْكَنْدَرِيُّ الَّذِي سَمِعْتُ بِهِ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ هُوَ، فَدَلَفْتُ إِلَيْهِ...»
ولم يورد في مقاماته ما آل إليه أمر الراوي والبطل.