العفو والتواضع لانتصار الإنسان على أهوائه ونزواته وتنمية نوازع الرحمة والخير والصفح والمغفرة



"إن الأخلاق الإسلامية شملت كل مناحي الحياة وما من خُلق إلاّ يسهم في بناء المجتمع في جانب من جوانب الحياة، فإذا ما تمسك الأفراد والمجتمع بأخلاق الإسلام؛ أصبح قوياً تسوده الأخوة.

وخلق العفو والتواضع والتسامح واحد من هذه الركائز التي إذا ما اعتمد عليها انتصر المرء بها على أهوائه ونزواته، ونمت فيه نوازع الرحمة والخير والصفح والمغفرة "[1]

إن العفو من الآداب التي اتصف بها رسول الله (ص) قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (159) سورة آل عمران.

لَقَدْ كَانَ مِنَ أَصْحَابِكَ مَا يَسْتَحِقُّ المَلاَمَةَ وَالتَّعْنِيفَ، بِمُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، إذْ تَخَلَّوْا عَنْكَ حِينَ اشْتِدَادِ الحَرْبِ، وَشَمَّرُوا لِلْهَزِيمَةِ وَالحَرْبِ قَائِمَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ لِنْتَ لَهُمْ، وَعَامَلْتَهُمْ بِالحُسْنَى، لِرَحْمَةٍ أوْدَعَها اللهُ فِي قَلْبِكَ، وَخَصَّكَ بِهَا.
وَقَدْ مَدَحَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ (ص) بِحُسْنِ الخُلُقِ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ العَزِيزِ.

ثُمَّ قَالَ لَوْ كُنْتَ خَشِناً جَافِياً فِي مُعَامَلَتِهِمْ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ، وَلَنَفَرُوا مِنْكَ، وَلَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ، وَلَكِنَّ اللهَ جَمَعَهُمْ عَلَيْكَ، وَأَلانَ جَانِبَكَ لَهُمْ تَأَلُّفاً لِقُلُوبِهِمْ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ رَسُولَهُ (ص) بِأَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ وَهَفَوَاتِهِمْ، وَأنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُم الله، وَأنْ يُشَاوِرَهُمْ فِي الأَمْرِ تَطِييباً لِقُلُوبِهِمْ، وَشَحْذاً لِهِمَمِهِمْ.

ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ: فَإذا شَاوَرْتَهُمْ فِي الأَمْرِ، وَعَزَمْتَ عَلَى إِنْفَاذِهِ، فَتَوكَّلْ عَلَى اللهِ فِيهِ، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ مَنْ يَتَوكَّلُ عَلَيْهِ، وَيَثِقُ بِنَصْرِهِ.[2]
"إن المتواضعين هم أهل الله والمتكبرين ليس لهم من بره حظ ولا نصيب، لأن الكبرياء صفة مختصة بالله وحده"[3].

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ (ص) قَالَ: مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً يَرْفَعْهُ اللَّهُ دَرَجَةً، حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَمَنْ يَتَكَبَّرْ عَلَى اللهِ دَرَجَةً يَضَعْهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ وَلاَ كُوَّةٌ، لَخَرَجَ مَا غَيَّبَهُ لِلنَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ[4].

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَوْلُهُ (ص): مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً يُرِيدُ بِهِ مَنْ تَوَاضَعَ لِلْمَخْلُوقِينَ فِي اللهِ، فَأَضْمَرَ الْخَلْقَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَتَكَبَّرُ أَرَادَ بِهِ عَلَى خَلْقِ اللهِ فَأَضْمَرَ الْخَلْقَ فِيهِ إِذِ الْمُتَكَبِّرُ عَلَى اللهِ كَافِرٌ بِهِ.

قال أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: مَنْ أَرَادَ التَّوَاضُعَ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُ: افْهَمْ مَا أُلْقِي إِلَيْكَ رَحِمَكَ اللهُ، مَنْ أَرَادَ التَّوَاضُعَ فَلْيُوَجِّهْ نَفْسَهُ إِلَى عَظَمَةِ اللهِ، فَإِنَّهَا تَذُوبُ وَتَصْغُرُ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى سُلْطَانِ اللهِ ذَهَبَ سُلْطَانُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ كُلَّهَا حَقِيرَةٌ عِنْدَ هَيْبَتِهِ، وَمِنْ أَشْرَفِ التَّوَاضُعِ أَنْ لَا يَنْظُرَ الْعَبْدُ إِلَى نَفْسِهِ دُونَ اللهِ، وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ (ص): "مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ "، يَقُولُ: مَنْ تَذَلَّلَ بِالْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ إِلَى اللهِ رَفَعَهُ اللهُ، يَعْنِي بِالِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ"[5]

وعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إنَّ الْعَبْدَ إذَا تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَ اللَّهُ حِكْمَتَهُ، وَقَالَ: انْتَعِشْ نَعَشَكَ اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ وَفِي أَنْفُسِ النَّاسِ كَبِيرٌ، وَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا تَعَظَّمَ وَعَدَا طَوْرَهُ وهَصَهُ اللَّهُ إِلَى الأَرْضِ، وَقَالَ اخْسَأْ خَسَأَك اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ وَفِي أَنْفُسِ النَّاسِ صَغِيرٌ حَتَّى لَهُوَ أَحْقَرُ عِنْدَهُ مِنْ خِنْزِيرٍ.[6]

وعَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَقَالَ: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، قَالَ النَّبِيُّ (ص)، مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، قَالَ النَّبِيُّ (ص)، مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ (ص) تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ:غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا،فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْقِرَ عَمَلَهُ،قُلْتُ:يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ. قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ"[7]

"فعلينا تنظيف الصدر من الأحقاد لأن الحقد يعني دوام العداوة بين الناس وهذا يخالف هدى الإسلام. والتواضع يُجَّذر خلق الحب والود والتراحم"[8].

[1]- المصدر نفسه، (حلبي) ص 135.
[2]- أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 452).
[3]- سهام مهدي جبار، الطفل في الشريعة الإسلامية ومنهج التربية النبوية، ص 361.
[4]- صحيح ابن حبان - (12 / 491) (5678) حسن.
[5]- شعب الإيمان - (10 / 502) (7879).
[6]- مصنف ابن أبي شيبة - (19 / 144) (35602) صحيح.
[7]- مُسْنَدُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (12502) صحيح.
[8]- حلبي، عبد المجيد طعمه، التربية الإسلامية للأولاد منهجاً وهدفاً وأسلوباً، ص 136.