ربانية التربية في الإسلام.. الإيمان والتقوى وتحقيق منهج اللّه في واقع الحياة البشرية



الشريعة لم تتغيرْ ولم تتبدلْ، وهذا يطمئنُ النفسَ أنها خيرٌ لأنفسنِا، وأنَّ السعادةَ تكمنُ في تنفيذها، وأنَّ الشقاءَ يترتبُ على تركها:

1- فالخيرُ والبركةُ والسعادةُ ووفرة ُالإنتاج كلُّها من بركاتِ تطبيقِ الشريعة المبنية على هذه العقيدة:

قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.(الأعراف:96).

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ تِلْكَ القُرَى آمَنُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ النَّبِيُّونَ، وَصَدَّقُوهُمْ، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الذِي جَاؤُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، وَاتَّقَوْا بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ المُحَرَّمَاتِ، لأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَفَاضَتِ الأَرْضُ بِالخَيْرَاتِ، وَلكِنَّهُمْ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ، بِإِهْلاَكِهِمْ عَلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ المَآثِمِ وَالمَحَارِمِ.[1]

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}.(المائدة:66).

وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا فِي الكِتَابِ الذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، كَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، دُونَ تَحْرِيفٍ وَلا تَبْدِيلٍ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إلى اتِّبَاعِ الحَقِّ، وَالعَمَلِ بِمُقْتَضَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، لأنَّ كُلاً مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ بَشَّرَ بِنَبِيٍّ يَكُونُ مِنْ أَوْلاَدِ إِسْمَاعِيلَ. وَلَوْ أَنَّهُمُ اتَّبَعُوا الحَقَّ، وَآمَنُوا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ الذِي بَشَّرَ بِهِ كِتَابُهُمْ، لَوَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِمْ رِزْقَهُمْ، وَلأَغْدَقتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ مَطَرَها وَبَرَكَاتِهَا، وَلأخْرَجَتْ لَهُمْ خَيْرَاتِهَا. وَلَكِنَّ قِلَّةً مِنْهُمْ مُؤْمِنَةٌ مُلْتَزِمَةٌ بِأَحْكَامِ مَا شَرَعَ اللهُ لَهُمْ، وَأكْثَرُهُمْ طُغَاةٌ مُجَاوِزُونَ لأَوَامِرِ اللهِ، وَسَاءَ عَمَلُهُمْ.[2]

إن هاتين الآيتين تقرران أصلا كبيرا من أصول التصور الإسلامي، ومن ثم فهما تمثلان حقيقة ضخمة في الحياة الإنسانية.
ولعل الحاجة إلى جلاء ذلك الأصل، وإلى بيان هذه الحقيقة لم تكن ماسة كما هي اليوم والعقل البشري، والموازين البشرية، والأوضاع البشرية تتأرجح وتضطرب وتتوه بين ضباب التصورات وضلال المناهج، بإزاء هذا الأمر الخطير..

إن اللّه - سبحانه - يقول لأهل الكتاب - ويصدق القول وينطبق على كل أهل كتاب - إنهم لو كانوا آمنوا واتقوا لكفر عنهم سيئاتهم ولأدخلهم جنات النعيم - وهذا جزاء الآخرة. وإنهم لو كانوا حققوا في حياتهم الدنيا منهج اللّه الممثل في التوراة والإنجيل وما أنزله اللّه إليهم من التعاليم - كما أنزلها اللّه بدون تحريف ولا تبديل - لصلحت حياتهم الدنيا، ونمت وفاضت عليهم الأرزاق، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم من فيض الرزق، ووفرة النتاج وحسن التوزيع، وصلاح أمر الحياة.. ولكنهم لا يؤمنون ولا يتقون ولا يقيمون منهج اللّه - إلا قلة منهم في تاريخهم الطويل مقتصدة غير مسرفة على نفسها «وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ».

وهكذا يبدو من خلال الآيتين أن الإيمان والتقوى وتحقيق منهج اللّه في واقع الحياة البشرية في هذه الحياة الدنيا، لا يكفل لأصحابه جزاء الآخرة وحده - وإن كان هو المقدّم وهو الأدوم - ولكنه كذلك يكفل صلاح أمر الدنيا، ويحقق لأصحابه جزاء العاجلة.. وفرة ونماء وحسن توزيع وكفاية.. يرسمها في صورة حسية تجسم معنى الوفرة والفيض في قوله: «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ»..

وهكذا يتبين أن ليس هنالك طريق مستقل لحسن الجزاء في الآخرة وطريق آخر مستقل لصلاح الحياة في الدنيا. إنما هو طريق واحد، تصلح به الدنيا والآخرة، فإذا تنكب هذا الطريق فسدت الدنيا وخسرت الآخرة.. هذا الطريق الواحد هو الإيمان والتقوى وتحقيق المنهج الإلهي في الحياة الدنيا..

وهذا المنهج ليس منهج اعتقاد وإيمان وشعور قلبي وتقوى فحسب،ولكنه كذلك - وتبعا لذلك - منهج حياة إنسانية واقعية، يقام، وتقام عليه الحياة.. وإقامته - مع الإيمان والتقوى - هي التي تكفل صلاح الحياة الأرضية، وفيض الرزق، ووفرة النتاج، وحسن التوزيع، حتى يأكل الناس جميعا - في ظل هذا المنهج - من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

إن المنهج الإيماني للحياة لا يجعل الدين بديلا من الدنيا ولا يجعل سعادة الآخرة بديلا من سعادة الدنيا،ولا يجعل طريق الآخرة غير طريق الدنيا.. وهذه هي الحقيقة الغائمة اليوم في أفكار الناس وعقولهم وضمائرهم وأوضاعهم الواقعية.

لقد افترق طريق الدنيا وطريق الآخرة في تفكير الناس وضميرهم وواقعهم. بحيث أصبح الفرد العادي - وكذلك الفكر العام للبشرية الضالة - لا يرى أن هنالك سبيلا للالتقاء بين الطريقين.ويرى على العكس أنه إما أن يختار طريق الدنيا فيهمل الآخرة من حسابه وإما أن يختار طريق الآخرة فيهمل الدنيا من حسابه ولا سبيل إلى الجمع بينهما في تصور ولا واقع.. لأن واقع الأرض والناس وأوضاعهم في هذه الفترة من الزمان توحي بهذا..

حقيقة:إن أوضاع الحياة الجاهلية الضالة البعيدة عن اللّه،وعن منهجه للحياة، اليوم تباعد بين طريق الدنيا وطريق الآخرة، وتحتم على الذين يريدون البروز في المجتمع، والكسب في مضمار المنافع الدنيوية، أن يتخلوا عن طريق الآخرة وأن يضحوا بالتوجيهات الدينية والمثل الخلقية والتصورات الرفيعة والسلوك النظيف، الذي يحض عليه الدين.

كما تحتم على الذين يريدون النجاة في الآخرة أن يتجنبوا تيار هذه الحياة وأوضاعها القذرة، والوسائل التي يصل بها الناس في مثل هذه الأوضاع إلى البروز في المجتمع، والكسب في مضمار المنافع، لأنها وسائل لا يمكن أن تكون نظيفة ولا مطابقة للدين والخلق، ولا مرضية للّه سبحانه.. ولكن.. تراها ضربة لازب! ترى أنه لا مفر من هذا الحال التعيس؟ ولا سبيل إلى اللقاء بين طريق الدنيا وطريق الآخرة؟

كلا.. إنها ليست ضربة لازب! فالعداء بين الدنيا والآخرة والافتراق بين طريق الدنيا وطريق الآخرة، ليس هو الحقيقة النهائية التي لا تقبل التبديل.. بل إنها ليست من طبيعة هذه الحياة أصلا.إنما هي عارض ناشئ من انحراف طارئ! إن الأصل في طبيعة الحياة الإنسانية أن يلتقي فيها طريق الدنيا وطريق الآخرة وأن يكون الطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا. وأن يكون الإنتاج والنماء والوفرة في عمل الأرض هو ذاته المؤهل لنيل ثواب الآخرة كما أنه هو المؤهل لرخاء هذه الحياة الدنيا وأن يكون الإيمان والتقوى والعمل الصالح هي أسباب عمران هذه الأرض كما أنها هي وسائل الحصول على رضوان اللّه وثوابه الأخروي..

هذا هو الأصل في طبيعة الحياة الإنسانية..ولكن هذا الأصل لا يتحقق إلا حين تقوم الحياة على منهج اللّه الذي رضيه للناس.. فهذا المنهج هو الذي يجعل العمل عبادة، وهو الذي يجعل الخلافة في الأرض وفق شريعة اللّه فريضة. والخلافة عمل وإنتاج، ووفرة ونماء، وعدل في التوزيع يفيض به الرزق على الجميع من فوقهم ومن تحت أرجلهم،كما يقول اللّه في كتابه الكريم.

إن التصور الإسلامي يجعل وظيفة الإنسان في الأرض هي الخلافة عن اللّه،بإذن اللّه،وفق شرط اللّه.. ومن ثم يجعل العمل المنتج المثمر، وتوفير الرخاء باستخدام كل مقدرات الأرض وخاماتها ومواردها - بل الخامات والموارد الكونية كذلك - هو الوفاء بوظيفة الخلافة.

ويعتبر قيام الإنسان بهذه الوظيفة - وفق منهج اللّه وشريعته حسب شرط الاستخلاف - طاعة للّه ينال عليها العبد ثواب الآخرة بينما هو بقيامه بهذه الوظيفة على هذا النحو يظفر بخيرات الأرض التي سخرها اللّه له ويفيض عليه الرزق من فوقه ومن تحت رجليه،كما يصور التعبير القرآني الجميل!

ووفق التصور الإسلامي يعتبر الإنسان الذي لا يفجر ينابيع الأرض،ولا يستغل طاقات الكون المسخرة له، عاصيا للّه، ناكلا عن القيام بالوظيفة التي خلقه اللّه لها، وهو يقول للملائكة: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً».

وهو يقول كذلك للناس: «وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ»، ومعطلا لرزق اللّه الموهوب للعباد.. وهكذا يخسر الآخرة لأنه خسر الدنيا!.

والمنهج الإسلامي - بهذا - يجمع بين العمل للدنيا والعمل للآخرة في توافق وتناسق. فلا يفوّت على الإنسان دنياه لينال آخرته، ولا يفوت عليه آخرته لينال دنياه.فهما ليسا نقيضين ولا بديلين في التصور الإسلامي.

هذا بالقياس إلى جنس الإنسان عامة،وبالقياس إلى الجماعات الإنسانية التي تقوم في الأرض على منهج اللّه.. فأما بالقياس إلى الأفراد فإن الأمر لا يختلف.. إذ أن طريق الفرد وطريق الجماعة - في المنهج الإسلامي - لا يختلفان ولا يتصادمان ولا يتعارضان.. فالمنهج يحتم على الفرد أن يبذل أقصى طاقته الجسمية والعقلية في العمل والإنتاج وأن يبتغي في العمل والإنتاج وجه اللّه، فلا يظلم ولا يغدر ولا يغش ولا يخون، ولا يأكل من سحت، ولا يحتجز دون أخيه المحتاج في الجماعة شيئا يملكه - مع الاعتراف الكامل له بملكيته الفردية لثمرة عمله والاعتراف للجماعة بحقها في ماله في حدود ما فرض اللّه وما شرع - والمنهج يسجل للفرد عمله - في هذه الحدود ووفق هذه الاعتبارات - عبادة للّه يجزيه عليها بالبركة في الدنيا وبالجنة في الآخرة..

ويربط المنهج بين الفرد وربه رباطا أقوى بالشعائر التعبدية التي يفرضها عليه ليستوثق بهذا الرباط من تجدد صلته باللّه في اليوم الواحد خمس مرات بالصلاة، وفي العام الواحد ثلاثين يوما بصوم رمضان، وفي العمر كله بحج بيت اللّه. وفي كل موسم أو في كل عام بإخراج الزكاة..

ومن هنا قيمة هذه الفرائض التعبدية في المنهج الإسلامي. إنها تجديد للعهد مع اللّه على الارتباط بمنهجه الكلي للحياة. وهي قربى للّه يتجدد معها العزم على النهوض بتكاليف هذا المنهج، الذي ينظم أمر الحياة كلها،ويتولى شئون العمل والإنتاج والتوزيع والحكم بين الناس في علاقاتهم وفي خلافاتهم. ويتجدد معها الشعور بعون اللّه ومدده على حمل التكاليف التي يتطلبها النهوض بهذا المنهج الكلي المتكامل، والتغلب على شهوات الناس وعنادهم وانحرافهم وأهوائهم حين تقف في الطريق..

وليست هذه الشعائر التعبدية أمورا منفصلة عن شئون العمل والإنتاج والتوزيع والحكم والقضاء، والجهاد لإقرار منهج اللّه في الأرض، وتقرير سلطانه في حياة الناس..إنما الإيمان والتقوى والشعائر التعبدية شطر المنهج، المعين على أداء شطره الآخر.. وهكذا يكون الإيمان والتقوى وإقامة منهج اللّه في الحياة العملية سبيلا للوفرة والفيض. كما يعد اللّه الناس في هاتين الآيتين الكريمتين..

إن التصور الإسلامي، وكذلك المنهج الإسلامي المنبثق منه، لا يقدم الحياة الآخرة بديلا من الحياة الدنيا - ولا العكس - إنما يقدمهما معا في طريق واحد، وبجهد واحد. ولكنهما لا يجتمعان كذلك في حياة الإنسان إلا إذا اتبع منهج اللّه وحده في الحياة - دون أن يدخل عليه تعديلات مأخوذة من أوضاع أخرى لم تنبثق من منهج اللّه، أو مأخوذة من تصوراته الذاتية التي لم تضبط بهذا المنهج - ففي هذا المنهج وحده يتم ذلك التناسق الكامل.

والتصور الإسلامي - وكذلك المنهج الإسلامي المنبثق منه - لا يقدم الإيمان والعبادة والصلاح والتقوى، بديلا من العمل والإنتاج والتنمية والتحسين في واقع الحياة المادية.. وليس هو المنهج الذي يعد الناس فردوس الآخرة ويرسم لهم طريقه بينما يدع للناس أن يرسموا لأنفسهم الطريق المؤدي إلى فردوس الدنيا - كما يتصور بعض السطحيين في هذا الزمان! - فالعمل والإنتاج والتنمية والتحسين في واقع الحياة الدنيا تمثل في التصور الإسلامي - والمنهج الإسلامي - فريضة الخلافة في الأرض.

والإيمان والعبادة والصلاح والتقوى، تمثل الارتباطات والضوابط والدوافع والحوافز لتحقيق المنهج في حياة الناس وهذه وتلك معا هي مؤهلات الفردوس الأرضي والفردوس الأخروي معا والطريق هو الطريق، ولا فصام بين الدين والحياة الواقعية المادية كما هو واقع في الأوضاع الجاهلية القائمة في الأرض كلها اليوم. والتي منها يقوم في أوهام الواهمين أنه لا مفر من أن يختار الناس الدنيا أو يختاروا الآخرة،ولا يجمعوا بينهما في تصور أو في واقع..لأنهما لا تجتمعان..!

إن هذا الفصام النكد بين طريق الدنيا وطريق الآخرة في حياة الناس، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة، وبين العبادة الروحية والإبداع المادي، وبين النجاح في الحياة الدنيا، والنجاح في الحياة الأخرى.. إن هذا الفصام النكد ليس ضريبة مفروضة على البشرية بحكم من أحكام القدر الحتمية! إنما هو ضريبة بائسة فرضتها البشرية على نفسها وهي تشرد عن منهج اللّه، وتتخذ لنفسها مناهج أخرى من عند أنفسها، معادية لمنهج اللّه في الأساس والاتجاه..

وهي ضريبة يؤديها الناس من دمائهم وأعصابهم في الحياة الدنيا،فوق ما يؤدونه منها في الآخرة وهو أشد وأنكى..

إنهم يؤدونها قلقا وحيرة وشقاء قلب وبلبلة خاطر، من جراء خواء قلوبهم من طمأنينة الإيمان وبشاشته وزاده وريه، إذا هم آثروا اطراح الدين كله، على زعم أن هذا هو الطريق الوحيد للعمل والإنتاج والعلم والتجربة، والنجاح الفردي والجماعي في المعترك العالمي! ذلك أنهم في هذه الحالة يصارعون فطرتهم،يصارعون الجوعة الفطرية إلى عقيدة تملأ القلب، ولا تطيق الفراغ والخواء. وهي جوعة لا تملؤها مذاهب اجتماعية، أو فلسفية، أو فنية.. على الإطلاق.. لأنها جوعة النزعة إلى إله.. وهم يؤدونها كذلك قلقا وحيرة وشقاء قلب وبلبلة خاطر، إذا هم حاولوا الاحتفاظ بعقيدة في اللّه ، وحاولوا معها مزاولة الحياة في هذا المجتمع العالمي الذي يقوم نظامه كله وتقوم أوضاعه وتقوم تصوراته، وتقوم وسائل الكسب فيه ووسائل النجاح على غير منهج اللّه، وتتصادم فيه العقيدة الدينية والخلق الديني، والسلوك الديني، مع الأوضاع والقوانين والقيم والموازين السائدة في هذا المجتمع المنكود.

وتعاني البشرية كلها ذلك الشقاء، سواء اتبعت المذاهب المادية الإلحادية، أو المذاهب المادية التي تحاول استبقاء الدين عقيدة بعيدة عن نظام الحياة العملية.. وتتصور - أو يصور لها أعداء البشرية - أن الدين للّه، وأن الحياة للناس! وأن الدين عقيدة وشعور وعبادة وخلق، والحياة نظام وقانون وإنتاج وعمل! وتؤدي البشرية هذه الضريبة الفادحة.. ضريبة الشقاء والقلق والحيرة والخواء..لأنها لا تهتدي إلى منهج اللّه الذي لا يفصل بين الدنيا والآخرة بل يجمع ولا يقيم التناقض والتعارض بين الرخاء في الدنيا والرخاء في الآخرة، بل ينسق..

ولا يجوز أن تخدعنا ظواهر كاذبة، في فترة موقوتة، إذ نرى أمما لا تؤمن ولا تتقي، ولا تقيم منهج اللّه في حياتها، وهي موفورة الخيرات، كثيرة الإنتاج عظيمة الرخاء...

إنه رخاء موقوت،حتى تفعل السنن الثابتة فعلها الثابت. وحتى تظهر كل آثار الفصام النكد بين الإبداع المادي والمنهج الرباني.. والآن تظهر بعض هذه الآثار في صور شتى:
تظهر في سوء التوزيع في هذه الأمم، مما يجعل المجتمع حافلا بالشقاء، وحافلا بالأحقاد، وحافلا بالمخاوف من الانقلابات المتوقعة نتيجة هذه الأحقاد الكظيمة.. وهو بلاء على رغم الرخاء!..

وتظهر في الكبت والقمع والخوف في الأمم التي أرادت أن تضمن نوعا من عدالة التوزيع واتخذت طريق التحطيم والقمع والإرهاب ونشر الخوف والذعر، لإقرار الإجراءات التي تأخذ بها لإعادة التوزيع.. وهو بلاء لا يأمن الإنسان فيه على نفسه ولا يطمئن ولا يبيت ليلة في سلام! وتظهر في الانحلال النفسي والخلقي الذي يؤدي بدوره - إن عاجلا أو آجلا - إلى تدمير الحياة المادية ذاتها.

فالعمل والإنتاج والتوزيع، كلها في حاجة إلى ضمانة الأخلاق. والقانون الأرضي وحده عاجز كل العجز عن تقديم الضمانات لسير العمل كما نرى في كل مكان! وتظهر في القلق العصبي والأمراض المنوعة التي تجتاح أمم العالم - وبخاصة أشدها رخاء ماديا - مما يهبط بمستوى الذكاء والاحتمال. ويهبط بعد ذلك بمستوى العمل والإنتاج، وينتهي إلى تدمير الاقتصاد المادي والرخاء! وهذه الدلائل اليوم واضحة وضوحا كافيا يلفت الأنظار! وتظهر في الخوف الذي تعيش فيه البشرية كلها من الدمار العالمي المتوقع في كل لحظة في هذا العالم المضطرب الذي تحوم حوله نذر الحرب المدمرة.. وهو خوف يضغط على أعصاب الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون فيصيبهم بشتى الأمراض العصبية.. ولم ينتشر الموت بالسكتة وانفجار المخ والانتحار كما انتشر في أمم الرخاء! وتظهر هذه الآثار كلها بصورة متقدمة واضحة في ميل بعض الشعوب إلى الاندثار والدمار - وأظهر الأمثلة الحاضرة تتجلى في الشعب الفرنسي - وليس هذا إلا مثلا للآخرين، في فعل الافتراق بين النشاط المادي والمنهج الرباني وافتراق الدنيا والآخرة، وافتراق الدين والحياة أو اتخاذ منهج للآخرة من عند اللّه، واتخاذ منهج للدنيا من عند الناس وإيقاع هذا الفصام النكد بين منهج اللّه وحياة الناس![3]

2- وما دامتْ ربانيةٌ من الله عز وجلَّ فإنها مبرأةٌ من النقصِ، سالمةٌ من العيب، بعيدةٌ عن الحيفِ والظلم، لأنَّ اللهَ له المثل الأعلى في السماوات والأرض:

قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (90) سورة النحل.
وقال تعالى: {...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا..} (3) سورة المائدة.
 وقال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء.

3- ومادامتْ ربانيةً فهي التي تشبعُ جَوعةَ الفطرةِ للعبادةِ لا يسدُّها إلا منهاجُ الله، ولا تملأُها النظمُ الفلسفيةُ، ولا السلطانُ السياسيُّ، ولا الثراءُ الماليُّ:

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (30) سورة الروم.

4- ومادامتْ ربانيةً فالناسُ أمامها سواءٌ،لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ إلا بالتقوَى، فاللهُ خالقُ الناسِ أجمعينَ فكلُّهم عبيدُه، وهو لا يفضِّلُ لوناً على لونٍ، الأبيضَ على الأسود - كما هو الحالُ في القانونِ الأمريكيِّ:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13) سورة الحجرات.
يا أيها الناس.يا أيها المختلفون أجناسا وألوانا، المتفرقون شعوبا وقبائل. إنكم من أصل واحد. فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تتخاصموا ولا تذهبوا بددا.

يا أيها الناس. والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم.. من ذكر وأنثى.. وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبا وقبائل. إنها ليست التناحر والخصام. إنما هي التعارف والوئام. فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات. وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان اللّه. إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس:«إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ».. والكريم حقا هو الكريم عند اللّه.وهو يزنكم عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين: «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»..

وهكذا تسقط جميع الفوارق، وتسقط جميع القيم،ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة، وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر، وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان.
وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس. ويظهر سبب ضخم واضح للألفة والتعاون: ألوهية اللّه للجميع،وخلقهم من أصل واحد. كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته: لواء التقوى في ظل اللّه. وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من عقابيل العصبية للجنس، والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة، والعصبية للبيت. وكلها من الجاهلية وإليها، تتزيا بشتى الأزياء، وتسمى بشتى الأسماء. وكلها جاهلية عارية من الإسلام! وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها، ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة: راية اللّه.. لا راية الوطنية. ولا راية القومية. ولا راية البيت. ولا راية الجنس. فكلها رايات زائفة لا يعرفها الإسلام.

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عَيْبَةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْفَخْرَ بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ بَنُو آدَمَ، خَلْقُ اللهِ مِنْ تُرَابٍ، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ فَخْرِهِمْ بِآبَائِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ النَّتْنَ"[4]
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ قَالَ: فَسَمِعَ النَّبِيُّ (ص) ذَاكَ، فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبَيِّ ابْنُ سَلُولٍ: قَدْ فَعَلُوهَا، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ:دَعْهُ،ل اَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ[5]

وعَنْ أَبِى نَضْرَةَ حَدَّثَنِى مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فِى وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِىٍّ عَلَى أَعْجَمِىٍّ وَلاَ لِعَجَمِىٍّ عَلَى عَرَبِىٍّ وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ» (أخرجه أحمد)[6].

وهذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي. المجتمع الإنساني العالمي، الذي تحاول البشرية في خيالها المحلق أن تحقق لونا من ألوانه فتخفق، لأنها لا تسلك إليه الطريق الواحد الواصل المستقيم..
الطريق إلى اللّه.. ولأنها لا تقف تحت الراية الواحدة المجمعة.. راية اللّه..[7]

ولا يفضِّلُ الرجالَ على النساءِ من بابِ قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل:97).

إن الجنسين: الذكر والأنثى. متساويان في قاعدة العمل والجزاء، وفي صلتهما باللّه، وفي جزائهما عند اللّه. ومع أن لفظ «من» حين يطلق يشمل الذكر والأنثى إلا أن النص يفصل :«مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى"لزيادة تقرير هذه الحقيقة.وذلك في السورة التي عرض فيها سوء رأي الجاهلية في الأنثى، وضيق المجتمع بها،واستياء من يبشر بمولدها، وتواريه من القوم حزنا وغما وخجلا وعارا!

وأن العمل الصالح لا بد له من القاعدة الأصيلة يرتكز عليها.قاعدة الإيمان باللّه «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فبغير هذه القاعدة لا يقوم بناء، وبغير هذه الرابطة لا يتجمع شتاته، إنما هو هباء كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.

والعقيدة هي المحور الذي تشد إليه الخيوط جميعا،وإلا فهي أنكاث. فالعقيدة هي التي تجعل للعمل الصالح باعثا وغاية. فتجعل الخير أصيلا ثابتا يستند إلى أصل كبير. لا عارضا مزعزعا يميل مع الشهوات والأهواء حيث تميل.

وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض. لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال. فقد تكون به، وقد لا يكون معها. وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية:
فيها الاتصال باللّه والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه. وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة، وسكن البيوت ومودات القلوب. وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة.. وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند اللّه.

وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة.
وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا، ويتضمن هذا تجاوز اللّه لهم عن السيئات.فما أكرمه من جزاء!.[8]

 وليس من بابِ قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ..} (34) سورة النساء 
إن الأسرة - كما قلنا - هي المؤسسة الأولى في الحياة الإنسانية. الأولى من ناحية أنها نقطة البدء التي تؤثر في كل مراحل الطريق. والأولى من ناحية الأهمية لأنها تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، وهو أكرم عناصر هذا الكون، في التصور الإسلامي.
وإذا كانت المؤسسات الأخرى الأقل شأنا،والأرخص سعرا: كالمؤسسات المالية والصناعية والتجارية... وما إليها... لا يوكل أمرها - عادة - إلا لأكفأ المرشحين لها ممن تخصصوا في هذا الفرع علميا،ودربوا عليه عمليا، فوق ما وهبوا من استعدادات طبيعية للإدارة والقوامة...

إذا كان هذا هو الشأن في المؤسسات الأقل شأنا والأرخص سعرا.. فأولى أن تتبع هذه القاعدة في مؤسسة الأسرة، التي تنشئ أثمن عناصر الكون.. العنصر الإنساني..

والمنهج الرباني يراعي هذا. ويراعي به الفطرة،والاستعدادات الموهوبة لشطري النفس لأداء الوظائف المنوطة بكل منهما وفق هذه الاستعدادات،كما يراعي به العدالة في توزيع الأعباء على شطري النفس الواحدة.
والعدالة في اختصاص كل منهما بنوع الأعباء المهيأ لها، المعان عليها من فطرته واستعداداته المتميزة المتفردة..

والمسلم به ابتداء أن الرجل والمرأة كلاهما من خلق اللّه. وأن اللّه - سبحانه - لا يريد أن يظلم أحدا من خلقه، وهو يهيئه ويعده لوظيفة خاصة، ويمنحه الاستعدادات اللازمة لإحسان هذه الوظيفة! وقد خلق اللّه الناس ذكرا وأنثى.. زوجين على أساس القاعدة الكلية في بناء هذا الكون.. وجعل من وظائف المرأة أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثمرة الاتصال بينها وبين الرجل.. وهي وظائف ضخمة أولا وخطيرة ثانيا. وليست هينة ولا يسيرة، بحيث تؤدّى بدون إعداد عضوي ونفسي وعقلي عميق غائر في كيان الأنثى! فكان عدلا كذلك أن ينوط بالشطر الثاني - الرجل - توفير الحاجات الضرورية. وتوفير الحماية كذلك للأنثى كي تتفرغ لوظيفتها الخطيرة ولا يحمل عليها أن تحمل وتضع وترضع وتكفل.. ثم تعمل وتكد وتسهر لحماية نفسها وطفلها في آن واحد! وكان عدلا كذلك أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينه على أداء وظائفه هذه.وأن تمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظيفتها تلك. وكان هذا فعلا.. ولا يظلم ربك أحدا..

ومن ثم زودت المرأة - فيما زودت به من الخصائص - بالرقة والعطف، وسرعة الانفعال والاستجابة العاجلة لمطالب الطفولة - بغير وعي ولا سابق تفكير - لأن الضرورات الإنسانية العميقة كلها - حتى في الفرد الواحد - لم تترك لأرجحة الوعي والتفكير وبطئه، بل جعلت الاستجابة لها غير إرادية! لتسهل تلبيتها فورا وفيما يشبه أن يكون قسرا. ولكنه قسر داخلي غير مفروض من الخارج ولذيذ ومستحب في معظم الأحيان كذلك،لتكون الاستجابة سريعة من جهة ومريحة من جهة أخرى - مهما يكن فيها من المشقة والتضحية! صنع اللّه الذي أتقن كل شيء.

وهذه الخصائص ليست سطحية.بل هي غائرة في التكوين العضوي والعصبي والعقلي والنفسي للمرأة.. بل يقول كبار العلماء المختصين: إنها غائرة في تكوين كل خلية.لأنها عميقة في تكوين الخلية الأولى، التي يكون من انقسامها وتكاثرها الجنين، بكل خصائصه الأساسية! وكذلك زود الرجل - فيما زود به من الخصائص - بالخشونة والصلابة، وبطء الانفعال والاستجابة واستخدام الوعي والتفكير قبل الحركة والاستجابة. لأن وظائفه كلها من أول الصيد الذي كان يمارسه في أول ع هده بالحياة إلى القتال الذي يمارسه دائما لحماية الزوج والأطفال. إلى تدبير المعاش.. إلى سائر تكاليفه في الحياة.. لأن وظائفه كلها تحتاج إلى قدر من التروي قبل الإقدام وإعمال الفكر،والبطء في الاستجابة بوجه عام!.. وكلها عميقة في تكوينه عمق خصائص المرأة في تكوينها..

وهذه الخصائص تجعله أقدر على القوامة،وأفضل في مجالها.. كما أن تكليفه بالإنفاق - وهو فرع من توزيع الاختصاصات - يجعله بدوره أولى بالقوامة، لأن تدبير المعاش للمؤسسة ومن فيها داخل في هذه القوامة والإشراف على تصريف المال فيها أقرب إلى طبيعة وظيفته فيها..

وهذان هما العنصران اللذان أبرزهما النص القرآني،وهو يقرر قوامة الرجال على النساء في المجتمع الإسلامي.
قوامة لها أسبابها من التكوين والاستعداد. ولها أسبابها من توزيع الوظائف والاختصاصات.ولها أسبابها من العدالة في التوزيع من ناحية وتكليف كل شطر - في هذا التوزيع - بالجانب الميسر له، والذي هو معان عليه من الفطرة.

وأفضليته في مكانها.. في الاستعداد للقوامة والدربة عليها..والنهوض بها بأسبابها.. لأن المؤسسة لا تسير بلا قوامة - كسائر المؤسسات الأقل شأنا والأرخص سعرا - ولأن أحد شطري النفس البشرية مهيأ لها، معان عليها، مكلف تكاليفها.وأحد الشطرين غير مهيأ لها، ولا معان عليها. .ومن الظلم أن يحملها ويحمل تكاليفها إلى جانب أعبائه الأخرى..وإذا هو هيىء لها بالاستعدادات الكامنة، ودرب عليها بالتدريب العلمي والعملي،فسد استعداده للقيام بالوظيفة الأخرى..وظيفة الأمومة..لأن لها هي الأخرى مقتضياتها واستعداداتها.وفي مقدمتها سرعة الانفعال، وقرب الاستجابة. فوق الاستعدادات الغائرة في التكوين العضوي والعصبي وآثارها في السلوك والاستجابة! إنها مسائل خطيرة.. أخطر من أن تتحكم فيها أهواء البشر.. وأخطر من أن تترك لهم يخبطون فيها خبط عشواء.. وحين تركت لهم ولأهوائهم في الجاهليات القديمة والجاهليات الحديثة، هددت البشرية تهديدا خطيرا في وجودها ذاته وفي بقاء الخصائص الإنسانية،التي تقوم بها الحياة الإنسانية وتتميز.

ولعل من الدلائل التي تشير بها الفطرة إلى وجودها وتحكمها ووجود قوانينها المتحكمة في بني الإنسان، حتى وهم ينكرونها ويرفضونها ويتنكرون لها..

لعل من هذه الدلائل ما أصاب الحياة البشرية من تخبط وفساد،ومن تدهور وانهيار ومن تهديد بالدمار والبوار، في كل مرة خولفت فيها هذه القاعدة. فاهتزت سلطة القوامة في الأسرة. أو اختلطت معالمها. أو شذت عن قاعدتها الفطرية الأصيلة! ولعل من هذه الدلائل توقان نفس المرأة ذاتها إلى قيام هذه القوامة على أصلها الفطري في الأسرة. وشعورها بالحرمان والنقص والقلق وقلة السعادة عند ما تعيش مع رجل، لا يزاول مهام القوامة وتنقصه صفاتها اللازمة فيكل إليها هي القوامة! وهي حقيقة ملحوظة تسلم بها حتى المنحرفات الخابطات في الظلام! ولعل من هذه الدلائل أن الأطفال - الذين ينشئون في مؤسسة عائلية القوامة فيها ليست للأب. إما لأنه ضعيف الشخصية، بحيث تبرز عليه شخصية الأم وتسيطر. وإما لأنه مفقود: لوفاته - أو لعدم وجود أب شرعي! - قلما ينشئون أسوياء. وقل ألا ينحرفوا إلى شذوذ ما، في تكوينهم العصبي والنفسي، وفي سلوكهم العملي والخلقي..

فهذه كلها بعض الدلائل،التي تشير بها الفطرة إلى وجودها وتحكمها، ووجود قوانينها المتحكمة في بني الإنسان، حتى وهم ينكرونها ويرفضونها ويتنكرون لها! ولا نستطيع أن نستطرد أكثر من هذا - في سياق الظلال - عن قوامة الرجال ومقوماتها ومبرراتها، وضرورتها وفطريتها كذلك.. ولكن ينبغي أن نقول :إن هذه القوامة ليس من شأنها إلغاء شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع الإنساني ولا إلغاء وضعها «المدني» - كما بينا ذلك من قبل - وإنما هي وظيفة - داخل كيان الأسرة - لإدارة هذه المؤسسة الخطيرة، وصيانتها وحمايتها.ووجود القيم في مؤسسة ما، لا يلغي وجود ولا شخصية ولا حقوق الشركاء فيها، والعاملين في وظائفها. فقد حدد الإسلام في مواضع أخرى صفة قوامة الرجل وما يصاحبها من عطف ورعاية، وصيانة وحماية، وتكاليف في نفسه وماله،وآداب في سلوكه مع زوجه وعياله.[9]

فتأمل الفرق..ولا يحابيهم سبحانهُ - لأنَّ الرجلَ والمرأة َكلَّهم خلقُه - ولا يفضِّلُ طبقةً على طبقةٍ كالأشرافِ على العبيدِ، ولا يفضِّلُ جنساً على جنسٍ، كتفضيلِ العرقِ الآريِّ والجنسِ الأبيضِ على غيره (وألمانيا فوقَ الجميع)، ولذا فهي العقيدةُ الوحيدةُ التي تنصِفُ الناسَ وتعدلُ بينهم، والناسُ يقفونَ فيها على قدمِ المساواةِ حاكمِهم ومحكومهِم سواءٌ. قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.(الأنعام:115).

وهذه الربانية تجعل الإنسان يتوجه لرب واحد لا شريك له،يستمد منه الأوامر والنواهي من كتابه وسنة رسوله (ص)، ويجعل نيته خالصة لله تعالى، التزاماً بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (162) سورة الأنعام.

 والربانية من حيث الهدف والغاية تعني أن المسلم في ظل التوجيهات الإسلامية يبتغي بأفعاله وأقواله مرضاة الله تعالى، فهو يستمدها من منهج الله تعالى، متبعاً في ذلك أمر الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (153) سورة الأنعام.

والتوجيه الإسلامي يربط حياة المسلم بربه، فمثلاً يربط ما بين الإيمان والحب في الله، والسبيل إلى ذلك خلُق إفشاء السلام، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ.[10].

كما أن التخلق للوالدين بالأخلاق الفاضلة من جملة طاعة رب العالمين، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} (23) سورة الإسراء.

 وفي عموم الإحسان، قال تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (195) سورة البقرة.

 وفي التخلق بالعدل والأمانة،قال تعالى :{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (58) سورة النساء.

فالتوجيه الرباني يوجه الإنسان لأفضل الأخلاق وأنبلها حتى يبني مجتمعاً يسوده العدل والأمانة والإخلاص والعفة وسائر مكارم الأخلاق، ويطهره من الرذائل التي تهدم الفضائل وتفكك المجتمعات، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (33) سورة الأعراف.

[1]- أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1051).
[2]- أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 736).
[3]- فى ظلال القرآن - موافقا للمطبوع - (2 / 930).
[4]- شعب الإيمان - (7 / 125) (4763 ) صحيح.
[5]- صحيح البخارى- المكنز - (4905 ) وصحيح مسلم- المكنز - (6748 ) وصحيح ابن حبان - (13 / 330) (5990).
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ:قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِي هَذَا،وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ:فَإِنَّهَا ذَمِيمَةٌ،وَمَا يُشْبِهُهَا.
[6]-  برقم(24204 ) وهو صحيح.
[7]- فى ظلال القرآن - موافقا للمطبوع - (6 / 3348).
[8]- فى ظلال القرآن - موافقا للمطبوع - (4 / 2193).
[9]- فى ظلال القرآن - موافقا للمطبوع - (2 / 650).
[10]- صحيح مسلم - المكنز - (203 ) وصحيح ابن حبان - (1 / 472)(236).